لم تعد السعودية تكتفي بملياراتها المنفقة على الرياضة والمصارعة والملاكمة، بل قررت هذه المرة أن تُنفق على الغناء… ليس أي غناء، بل على مسابقة موسيقية روسية قديمة تُدعى “إنترفيجن”، أحيتها موسكو كبديل ليوروفيجن بعد عزلها بسبب حرب أوكرانيا. والآن، تعلن الرياض استضافة النسخة الثانية من المسابقة، لتضع نفسها في قلب حدث ولد من رحم السياسة أكثر مما وُلد من رحم الفن.
لكن خلف الأضواء والأنغام تكمن قصة أخرى: التقاء الغطرسة السعودية بالعزلة الروسية في مسرح واحد اسمه التبييض بالثقافة.
“إنترفيجن”: مشروع سياسي بواجهة موسيقية
المسابقة ليست مجرد احتفالية فنية عابرة. تاريخيًا، أطلقتها الكتلة السوفيتية في السبعينيات كواجهة ناعمة أمام “يوروفيجن” الأوروبية. ومع عودة موسكو لإحيائها بعد أن حُظرت من الساحة الثقافية الأوروبية إثر غزو أوكرانيا، تبدو “إنترفيجن” اليوم أداة سياسية بامتياز: منصة موازية لصياغة تحالفات ثقافية بديلة.
وهنا، تقفز السعودية لتُعلن استضافة النسخة المقبلة. ليس بدافع الفن أو حب الموسيقى، بل بدافع الانضمام إلى لعبة التوازنات الجيوسياسية عبر شراء مقعد على طاولة الثقافة العالمية، حتى لو كانت الطاولة نفسها مبنية على أنقاض حرب دموية.
السعودية بين الترفيه والتبييض
ما الذي يدفع دولة ما زالت تُعدم المعارضين وتكمّم الأفواه وتملأ السجون أن تستضيف مسابقة موسيقية و”تروّج للفرح”؟ الجواب بسيط: الغسيل الناعم.
من المصارعة الأميركية إلى “ليف غولف”، ومن سباقات الفورمولا إلى حفلات الكوميديا، ثم إلى “إنترفيجن”، المشهد متكرر: ضخ مليارات من المال العام في فعاليات صاخبة لتغطية سجل قمعي قاتم.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات الدولية بشأن الإعدامات وملف المعتقلين السياسيين، تفتح الرياض مسارحها لتصبح “عاصمة الغناء”، كما لو أن إيقاع الموسيقى قادر على إسكات أصوات المعتقلين خلف الجدران.
تحالف المهمّشين: عزلة روسيا واحتياج السعودية
استضافة “إنترفيجن” تكشف عن زواج مصلحة بين موسكو المعزولة والرياض الباحثة عن اعتراف. روسيا وجدت نفسها مطرودة من أهم منصة موسيقية عالمية (يوروفيجن)، فابتكرت بديلاً خاصًا بها. والسعودية، الباحثة عن شرعية ثقافية بأي ثمن، قفزت لتقول: “نحن جاهزون لاستضافة العالم البديل”.
إنه تحالف يُعيد للأذهان معادلة: المطرودون من العالم الديمقراطي يجدون في السعودية راعيًا ومسرحًا.
السؤال البديهي: هل هناك جمهور سعودي حقيقي لمسابقة كهذه؟ الجواب: لا.
كما لم يكن هناك جمهور محلي للملاكمة أو كرة القدم الأميركية أو الغولف. معظم هذه الفعاليات تُقام في قاعات مليئة بالمدعوين أو الأجانب، فيما المواطن العادي يُثقل بكلفة المعيشة وضرائب القيمة المضافة.
بمعنى آخر: المهرجان ليس للسعوديين، بل للعالم الخارجي. هو عرض موجه للإعلام الدولي ليقول: “انظروا، السعودية بلد فن وحداثة”، فيما الداخل يُمنع من التعبير أو حتى من الاعتراض على إيقاع لا يشبهه.
“ثقافة” بلا حرية
الجوهر الأخطر في استضافة “إنترفيجن” أن السعودية تحاول بيع صورة “التنوع الثقافي” بينما تمنع أي تعبير حر. أي قيمة لفن يُستورد من الخارج بينما يُسجن الفنانون المحليون إذا تجرؤوا على النقد؟ أي معنى لحرية الإبداع بينما يُحاكم ناشطون بتهم التغريد أو المطالبة بإصلاحات سياسية؟
إنه فن مدفوع الأجر، لا فن حر. موسيقى بلا جمهور، وأغانٍ بلا صدى في الداخل.
هكذا، يصبح عنوان الخبر ليس “السعودية تستضيف إنترفيجن”، بل: “السعودية تشتري مسابقة موسيقية لتغطية على سجونها وإعداماتها”.
بينما العالم يربط بين روسيا والعزلة بعد أوكرانيا، وبين السعودية وجرائم خاشقجي والإعدامات الجماعية، يلتقي الطرفان في مهرجان غنائي يُراد له أن يلمّع صورة القمع.
حين تصبح الأغاني وسيلة لتسويق الاستبداد
في النهاية، لن تغيّر “إنترفيجن” صورة السعودية ولا روسيا. فالأغنية التي تُعزف فوق ركام المعتقلين لا تثير الفرح، بل تفضح التناقض. والمهرجان الذي يُقام تحت رعاية أنظمة استبدادية لا يضيف إلى الفن، بل ينتقص من جوهره.
الضحك والرقص لا يمكن أن يُشترى بالدولارات، ولا يمكن أن يمحو ذاكرة دماء خاشقجي أو المعتقلين الذين يُجبر ذووهم على تمجيد ابن سلمان أمام الكاميرات.
إنها ليست حفلة موسيقية، بل عرض سياسي آخر: موسيقى على أنقاض الحقيقة.






