من نووي سلمي إلى خيار لم يُغلق أمام القنبلة: لماذا تصر السعودية على التخصيب إذا كان الهدف كهرباء فقط؟

من نووي سلمي إلى خيار لم يُغلق أمام القنبلة: لماذا تصر السعودية على التخصيب إذا كان الهدف كهرباء فقط؟

من نووي سلمي إلى خيار لم يُغلق أمام القنبلة: لماذا تصر السعودية على التخصيب إذا كان الهدف كهرباء فقط؟
من نووي سلمي إلى خيار لم يُغلق أمام القنبلة: لماذا تصر السعودية على التخصيب إذا كان الهدف كهرباء فقط؟

لم تعد القضية السعودية النووية مجرد جدل افتراضي حول ما قد يفعله محمد بن سلمان إذا امتلكت إيران القنبلة. الجديد، وفق ما كشفته «واشنطن بوست» في 25 سبتمبر 2026، أن وثائق سرية قُدمت إلى الكونغرس تتضمن تقييمًا للاستخبارات الأمريكية يفيد بأن السعودية لم تستبعد خيار تطوير برنامج للأسلحة النووية.

وهذا لا يعني أن الرياض اتخذت قرارًا بصنع قنبلة، ولا أن لديها حاليًا برنامج تسلح سريًا. التقييم أضيق من ذلك: خيار السلاح، بحسب الاستخبارات الأمريكية، لم يُغلق. لكن توقيت الكشف هو ما يجعل المسألة شديدة الحساسية.

قبل شهرين فقط، وقّعت إدارة دونالد ترامب مع الرياض اتفاق تعاون نووي مدني بموجب المادة 123، يفتح الباب أمام مشروعات بمليارات الدولارات ومفاعلات وتقنيات أمريكية. الحكومة الأمريكية تقول إن الاتفاق يرفع معايير الأمان وعدم الانتشار، والسعودية تقول إن برنامجها سلمي. لكن الاتفاق، بخلاف النموذج الأكثر تشددًا الذي قبلت به الإمارات، لا يحظر على السعودية التخصيب وإعادة المعالجة بصورة مطلقة، كما أنه لا يشترط انضمامها إلى «البروتوكول الإضافي» للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وهنا يتحول الملف من مشروع طاقة إلى سؤال استراتيجي أكبر بكثير: إذا كان محمد بن سلمان يريد الكهرباء النووية فقط، فلماذا تصر المملكة على الاحتفاظ بأحد أكثر أجزاء دورة الوقود حساسية، وهو الجزء نفسه الذي يمكن أن يقلّص المسافة التقنية بين البرنامج المدني والقدرة على إنتاج مادة لسلاح نووي؟ الإجابة لا يمكن اختزالها في اتهام الرياض بأنها «تصنع قنبلة». الأدلة المنشورة لا تثبت ذلك. لكنها تكشف شيئًا آخر بالغ الأهمية: السعودية تريد برنامجًا نوويًا لا يجعلها مجرد مستهلك للوقود المستورد، بل يمنحها قدرات سيادية داخل دورة الوقود نفسها. وفي شرق أوسط يعيش حربًا مع إيران، تصبح كلمة «سيادة» النووية مختلفة تمامًا عن أي قطاع آخر.

ترامب يمنح الرياض ما لم تمنحه واشنطن للإمارات والتخصيب يحوّل مشروع الكهرباء إلى مشروع قوة كامنة

هناك فرق بين امتلاك محطة نووية وامتلاك دورة وقود نووي. الدولة تستطيع تشغيل مفاعل لإنتاج الكهرباء من دون تخصيب اليورانيوم محليًا؛ يمكن شراء الوقود من الخارج، كما تفعل دول عديدة. ولهذا أصبحت الإمارات مثالًا مهمًا في النقاش الأمريكي. اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة تضمن تخليًا عن التخصيب وإعادة المعالجة، وهو ما عُرف بـ«المعيار الذهبي». السعودية لم تقبل النموذج نفسه. الاتفاق السعودي-الأمريكي الجديد يسمح مبدئيًا بتخصيب أقل من 5%، ويمكن، بعد دراسة إضافية واتفاق مكتوب، رفع السقف إلى 20%. اليورانيوم المخصب بنسبة 20% ليس سلاحًا نوويًا. ولا يعني الوصول إليه أن الدولة صنعت قنبلة. لكن التخصيب عملية تراكمية؛ وكلما ارتفع المستوى، انخفض مقدار العمل المطلوب للوصول إلى مستويات أعلى بكثير. لهذا ينظر خبراء منع الانتشار إلى امتلاك التخصيب المحلي باعتباره قدرة شديدة الحساسية حتى عندما يكون الاستخدام المعلن مدنيًا. وهنا يصبح موقف محمد بن سلمان السابق جزءًا من المشكلة السياسية. فولي العهد قال علنًا في 2018 إنه إذا صنعت إيران قنبلة نووية فإن السعودية ستسعى إلى فعل الشيء نفسه «في أسرع وقت ممكن». هذا التصريح لا يثبت أن قرارًا بالتسلح اتُخذ الآن، لكنه يفسر لماذا ينظر بعض أعضاء الكونغرس وخبراء الانتشار بعين مختلفة إلى إصرار الرياض على امتلاك قدرات التخصيب. وهذا هو التناقض. إذا كان المشروع اقتصاديًا بالكامل، فإن استيراد الوقود يمكن أن يشغّل المفاعلات. أما الإصرار على بناء قدرة محلية للتخصيب فيضيف قيمة أخرى: الخيار الاستراتيجي. أي امتلاك المعرفة والمنشآت والبنية البشرية التي تمنح الدولة خيارات أوسع مستقبلًا. وهنا ربما يكون الملف النووي مختلفًا عن معظم مشاريع رؤية 2030. في نيوم تسأل عن العائد. في القدية تسأل عن عدد الزوار. أما في التخصيب النووي، فقد تكون قيمة الاستثمار بالنسبة للدولة في شيء لا يظهر في الميزانية أصلًا: كم يقلل المسافة بين السعودية والقدرة النووية الكاملة إذا تغيرت البيئة الأمنية يومًا؟ وهذا تحديدًا ما يجعل الرقابة أهم من النوايا المعلنة.

بعد الحوثيين وإيران وتردد ترامب ابن سلمان يبحث عن شيء لا يستطيع البيت الأبيض سحبه منه بمكالمة هاتفية

وهنا يدخل الملف النووي في قلب المعضلة الأمنية السعودية. الأحداث الأخيرة أظهرت حدود الاعتماد على الحماية الخارجية. السعودية اشترت أسلحة أمريكية بعشرات المليارات. بنت علاقة وثيقة مع ترامب. قدمت استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة. لكن عندما طلب محمد بن سلمان تدخلًا أمريكيًا مباشرًا ضد الحوثيين، لم يكن القرار في الرياض. كان في واشنطن. وهذه ليست إدانة للولايات المتحدة؛ من الطبيعي أن تقرر الدولة بنفسها متى تخوض الحرب. لكنها مشكلة استراتيجية بالنسبة للسعودية. لأنها تقول للقيادة السعودية شيئًا بسيطًا: السلاح الذي تشتريه من حليفك ملكك، لكن إرادة حليفك ليست ملكك. والنووي يغير طبيعة هذه المعادلة. ليس بالضرورة عبر صنع قنبلة. بل عبر امتلاك قدرة كامنة تجعل الآخرين مضطرين إلى حساب ما تستطيع السعودية فعله إذا شعرت أن مظلتها الأمنية لم تعد كافية. من هنا يمكن فهم سبب تمسك الرياض بالتخصيب من منظور استراتيجي، حتى مع إصرارها رسميًا على سلمية البرنامج. السعودية ترى إيران. وترى الحوثيين. وترى إسرائيل المسلحة نوويًا وفق الاعتقاد الواسع دوليًا. وترى أيضًا أن التحالف الأمريكي، مهما كان وثيقًا، لا يعني أن واشنطن ستخوض كل حرب تريدها الرياض. وفي هذا السياق يصبح البرنامج النووي جزءًا من سؤال أوسع: كيف تقلل المملكة اعتماد أمنها الوجودي على قرارات الآخرين؟ لكن المشكلة أن هذا المنطق نفسه يمكن أن ينتج سباق تسلح. فإذا أرادت السعودية قدرة تخصيب لأنها لا تثق تمامًا في مستقبل إيران، فإن دولًا أخرى تستطيع استخدام المنطق نفسه تجاه السعودية. وهكذا يصبح «التأمين» السعودي سببًا لطلب الآخرين تأمينًا مضادًا. ولهذا حذر أعضاء ديمقراطيون في الكونغرس من أن الاتفاق قد يخلق مسارًا نحو انتشار نووي أوسع. هذه مخاوف سياسية وتحليلية، وليست إثباتًا بأن المملكة ستنتج سلاحًا. لكنها ليست مخاوف يمكن إسقاطها باعتبارها خيالًا. لأن ولي العهد نفسه ربط سابقًا الخيار السعودي بسلوك إيران.

المشكلة ليست الثقة في كلام ابن سلمان البرنامج النووي الخطير يُبنى على التفتيش لا الوعود

هنا يظهر أكثر أجزاء الاتفاق إثارة للجدل. «واشنطن بوست» تقول إن الاتفاق لا يُلزم السعودية بتبني «البروتوكول الإضافي» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح الوكالة صلاحيات أوسع للتحقق. لكن الصورة ليست أن السعودية ترفض كل رقابة إضافية. مدير الوكالة الدولية رافائيل غروسي قال إن الرياض تستعد لمنح الوكالة سلطات تحقق ومراقبة أكثر تدخلاً من التزاماتها الأساسية الحالية. وهذه نقطة جوهرية. لأن الملف النووي لا ينبغي أن يُدار بمنطق: «نثق بالسعودية» أو «لا نثق بالسعودية». هذه ليست طريقة بناء نظام عدم انتشار. الأنظمة الجادة تُبنى على قاعدة مختلفة: لا تطلب مني أن أثق بك؛ ابنِ نظامًا يسمح لي بالتحقق منك. وهنا يصبح الخلاف داخل المؤسسة الأمريكية نفسها لافتًا. جاء تقييم وزارة الخارجية أكثر اطمئنانًا إلى الضمانات والتعهدات السعودية، بينما ظل تقييم مجتمع الاستخبارات أكثر تحفظًا بشأن استبعاد الخيار العسكري. وزارة الخارجية تقول بوضوح إن الولايات المتحدة «لا تدعم ولن تدعم» برنامج أسلحة نووية سعوديًا، فيما أحالت الرياض إلى تصريحات وزير الطاقة بأن البرنامج سيكون سلميًا. إذن لدينا ثلاث طبقات مختلفة يجب ألا تُخلط: السعودية تقول البرنامج سلمي. إدارة ترامب تقول الاتفاق يوفر ضمانات قوية ولا ندعم قنبلة سعودية. الاستخبارات تقول، بحسب التسريب، الرياض لم تغلق خيار السلاح. هذه ليست تناقضات يمكن حلها بالبيانات الصحفية. الحل هو الرقابة. كلما كانت قدرات التخصيب أكبر، يجب أن تكون قدرة التحقق أكبر. وكلما كانت تصريحات القيادة السابقة أكثر وضوحًا بشأن احتمال السعي للقنبلة، يصبح من الصعب تبرير أي فجوة رقابية بعبارة «ثقوا بنا».

بعد أن اكتشف ابن سلمان أن شراء السلاح الأمريكي لا يشتري القرار الأمريكي المشروع النووي يفتح بابًا نحو أخطر أنواع الاستقلال

لا توجد اليوم، استنادًا إلى المعلومات المنشورة، قاعدة تسمح بالقول إن محمد بن سلمان أمر بصناعة قنبلة نووية. ولا يقول التقييم الاستخباراتي المسرب ذلك. والخلط بين «لم يستبعد الخيار» و«بدأ تصنيع السلاح» سيكون تضخيمًا يضعف النقد. لكن القضية الخطيرة هي أن السعودية تتحرك نحو امتلاك بنية نووية أكثر تقدمًا في الوقت الذي لم تغلق فيه، وفق تقييم الاستخبارات الأمريكية، الاحتمال العسكري بصورة قاطعة. وفي الوقت نفسه، يسمح الاتفاق الأمريكي لها بالاحتفاظ بمسار نحو التخصيب المحلي بدل نموذج الإمارات القائم على التخلي عنه. وهنا يصبح السؤال أكبر من المفاعلات. محمد بن سلمان أمضى سنوات في محاولة بناء استقلال سعودي جديد. استقلال اقتصادي عبر رؤية 2030. استقلال صناعي عبر التوطين. استقلال عسكري عبر الصناعات الدفاعية. واستقلال سياسي عبر تنويع العلاقات. لكن كل الأزمات الأخيرة أعادته إلى الحقيقة القديمة: السعودية ما زالت تعتمد في جوانب حاسمة من أمنها على الخارج. الطائرة يمكن شراؤها. الصاروخ يمكن شراؤه. الرادار يمكن شراؤه. لكن قرار أمريكا بالقتال لا يمكن شراؤه. وهنا تختلف التكنولوجيا النووية عن معظم ما سبقها. إنها لا تمنح الدولة سلاحًا فقط إذا قررت يومًا الذهاب إلى ذلك الحد؛ امتلاك دورة الوقود والخبرة والتخصيب يمكن أن يمنحها «الخيار» نفسه. وهذا هو السبب في أن الاتفاق لا ينبغي تقييمه بعدد المفاعلات أو المليارات أو الوظائف الأمريكية. يجب تقييمه بالسؤال الذي سيبقى قائمًا بعد عشرين عامًا: هل أعطت واشنطن السعودية برنامج كهرباء نوويًا، أم ساعدتها أيضًا على بناء البنية التحتية التي تجعل قرار امتلاك السلاح يومًا أقرب تقنيًا إذا تغير القرار السياسي؟ إذا كان الجواب الأول هو الصحيح، فلا ينبغي أن تخشى الرياض أقوى منظومة تحقق ممكنة. أما إذا كان الاحتفاظ بالخيار جزءًا من القيمة الاستراتيجية للتخصيب، فإن الخلاف على التفتيش يصبح مفهومًا بصورة مختلفة تمامًا. وهنا تكمن مفارقة ترامب ومحمد بن سلمان: ترامب يريد أن يمنع السعودية من الذهاب إلى الصين أو روسيا للحصول على التكنولوجيا النووية، ولذلك يعطيها اتفاقًا أمريكيًا أكثر مرونة. لكن كلما منحها قدرات نووية أكثر حساسية حتى تبقى داخل المعسكر الأمريكي، أصبحت المملكة نفسها أقل اعتمادًا استراتيجيًا على ذلك المعسكر. وهذه ليست صفقة تجارية عادية. إنها رهان لعقود. لأن نيوم إذا فشلت يمكن تقليصها. ومشروعًا سياحيًا يمكن تأجيله. وشركة خاسرة يمكن بيعها. أما الخطأ في هندسة نظام انتشار نووي في الشرق الأوسط، فلا يوجد له زر «إعادة معايرة» في رؤية 2030.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية