“موسم الأرباح فوق الدم” نظام بن سلمان يفتح الأسواق للشركات الداعمة لإسرائيل رغم الغضب الشعبي والمقاطعة العالمية

“موسم الأرباح فوق الدم” نظام بن سلمان يفتح الأسواق للشركات الداعمة لإسرائيل رغم الغضب الشعبي والمقاطعة العالمية

بينما تتوسع حملات المقاطعة العالمية ضد الشركات المتهمة بدعم إسرائيل خلال حربها المدمرة على غزة، يسير نظام محمد بن سلمان في الاتجاه المعاكس تمامًا، فاتحًا أبواب السوق السعودية أمام هذه الشركات، ليس فقط للاستمرار، بل للتوسع والحصول على شراكات ورعاية رسمية ومظلات إعلامية وترفيهية ضخمة. ما يحدث لم يعد مجرد “حياد اقتصادي”، بل سياسة منظمة تمنح الشركات المتضررة من المقاطعة فرصة للنجاة عبر المال السعودي والسوق الخليجية.

المفارقة الصادمة أن هذه الخطوات تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة غضبًا شعبيًا غير مسبوق بسبب المجازر في غزة، وفي وقت تكبدت فيه علامات تجارية عالمية خسائر حقيقية نتيجة حملات المقاطعة في عدة دول. لكن بدل أن ينعكس هذا المزاج على السياسات الاقتصادية، اختار النظام السعودي أن يتحول إلى مساحة إنقاذ لهذه الشركات، عبر عقود وشراكات ورعاية فعاليات جماهيرية تمنحها حضورًا جديدًا وتعيد تأهيل صورتها.

المشهد يكشف تحولًا أعمق في أولويات السلطة: من أي خطاب سياسي أو أخلاقي مرتبط بالقضية الفلسطينية إلى منطق استثماري بحت، يرى في هذه الشركات أدوات اقتصادية وترفيهية، حتى لو كانت في قلب الجدل العالمي.

“المقاطعة تتوسع والرياض تفتح الأبواب”

في الوقت الذي أغلقت فيه بعض الشركات العالمية فروعًا وسرّحت موظفين بسبب الخسائر الناتجة عن حملات المقاطعة، كانت السعودية تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا. شركات مثل Starbucks وMcDonald’s وPepsiCo لم تجد في السوق السعودية مجرد مكان للاستمرار، بل بيئة داعمة للتوسع وإعادة التموضع.

في حالة “ستاربكس”، لم يتوقف الأمر عند استمرار النشاط، بل امتد إلى افتتاح فروع ضخمة جديدة، بالتزامن مع تقارير عن محادثات يقودها صندوق الاستثمارات العامة للاستحواذ على حصة في أعمالها الإقليمية. هذه الخطوة تحمل دلالة واضحة: النظام لا يكتفي بحماية وجود الشركة، بل يسعى إلى الارتباط بها استثماريًا في لحظة تواجه فيها ضغوطًا عالمية.

الأمر نفسه تكرر مع “ماكدونالدز”، التي تحولت بسرعة إلى شريك في فعاليات موسم الرياض، رغم تصاعد حملات المقاطعة ضدها. هذا النوع من الشراكات لا يمنح الشركات عائدًا اقتصاديًا فقط، بل يوفر لها غطاءً دعائيًا ضخمًا، يعيد دمجها في الوعي الجماهيري كجزء من المشهد الترفيهي.

“الترفيه كغطاء”كيف تحولت المواسم إلى منصات تبييض؟

خلال السنوات الأخيرة، تحولت فعاليات مثل موسم الرياض إلى أدوات تتجاوز الترفيه، لتصبح منصات اقتصادية وإعلامية تستخدم لإعادة تقديم الشركات العالمية داخل المنطقة. الشركات التي تواجه انتقادات في أسواق أخرى تجد في هذه الفعاليات فرصة لإعادة بناء حضورها.

الرعاية التجارية لم تعد مجرد إعلان، بل عملية “إعادة تلميع” كاملة. عندما تظهر شركات مثيرة للجدل داخل أكبر الفعاليات الجماهيرية، فإن الرسالة تكون واضحة: هذه العلامات التجارية مرحب بها، بل ومدعومة.

هذا الاستخدام للترفيه كغطاء اقتصادي يكشف طبيعة المرحلة، حيث يتم توظيف الفعاليات الجماهيرية لخدمة أهداف أوسع، تتعلق بالاستثمار والعلاقات الاقتصادية، حتى لو كان ذلك على حساب المزاج الشعبي.

الأخطر أن هذا النهج لا يتم في الظل، بل بشكل علني، ما يعكس ثقة السلطة في قدرتها على تجاوز أي اعتراض اجتماعي أو أخلاقي.

“المال أولًا”التحول الكامل في الأولويات السياسية

ما تكشفه هذه السياسات ليس مجرد انفتاح اقتصادي، بل تحول جذري في طبيعة الأولويات. القضية لم تعد تُدار من منظور سياسي أو شعبي، بل من زاوية الربح والاستثمار والعلاقات مع الشركات متعددة الجنسيات.

هذا التحول يظهر بوضوح في الطريقة التي جرى بها التعامل مع حملات المقاطعة. بدل أن تُترك للمجتمع، تم العمل على إضعافها، سواء عبر الترويج الإعلامي للشركات، أو عبر خطابات وفتاوى تقلل من أهمية المقاطعة وتعيد تعريف الشركات باعتبارها “محلية”.

هذه الخطوات تكشف أن النظام لا يرى في المقاطعة موقفًا شعبيًا مشروعًا، بل تهديدًا لمشروعه الاقتصادي القائم على الانفتاح والشراكات الدولية. لذلك، لم يكتفِ بعدم دعم المقاطعة، بل تحرك فعليًا لتقويضها.

المفارقة أن هذا يحدث بينما تحاول السلطة تقديم نفسها كقائد إقليمي وصاحب نفوذ سياسي، في حين تبدو سياساتها الاقتصادية أقرب إلى محاولة لحماية مصالح الشركات الكبرى، حتى في أكثر اللحظات حساسية إنسانيًا وسياسيًا.

 “الأسواق تنتصر والمواقف تتراجع” حين يصبح المال أقوى من الغضب الشعبي

ما يحدث في السعودية اليوم ليس مجرد تعاون اقتصادي مع شركات عالمية، بل إعادة تعريف للعلاقة بين السياسة والاقتصاد في المنطقة. في السابق، كانت القضايا الكبرى تفرض خطوطًا حمراء على العلاقات التجارية، أما اليوم، فيبدو أن هذه الخطوط أُزيلت بالكامل لصالح منطق الاستثمار والانفتاح.

الشركات التي خسرت جماهيريًا في دول عديدة وجدت في الرياض فرصة جديدة للتوسع والتعافي، ليس رغم المقاطعة، بل في ذروة حملاتها. وهذا يكشف حجم التحول الذي طرأ على أولويات النظام، حيث أصبح الحفاظ على الشراكات الاقتصادية أهم من الانسجام مع المزاج الشعبي.

الحقيقة التي تفرض نفسها أن السلطة لم تعد تحاول حتى الموازنة بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، بل اختارت بوضوح الانحياز إلى منطق السوق. وفي هذا النموذج، تصبح القضايا الإنسانية مجرد ضوضاء يمكن تجاوزها، طالما أن الاستثمارات مستمرة، والعقود تُوقَّع، والمواسم الترفيهية تمضي بلا توقف.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية