لم يعد التطبيع في عهد محمد بن سلمان مجرد تسريبات دبلوماسية أو لقاءات سرية تُعقد خلف الأبواب المغلقة، بل تحول تدريجيًا إلى مشروع علني يُدار عبر الترفيه والرياضة والألعاب الإلكترونية، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي داخل السعودية والمنطقة. الإعلان عن مشاركة ثمانية منتخبات إسرائيلية رسميًا في بطولة “كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية” المقرر تنظيمها في الرياض خلال نوفمبر 2026، مع السماح برفع العلم الإسرائيلي داخل العاصمة السعودية، يكشف أن النظام السعودي انتقل من مرحلة “التمهيد” إلى مرحلة “التطبيع العلني الكامل” عبر أدوات ناعمة تستهدف الأجيال الجديدة.
الحدث لا يتعلق فقط بمشاركة فرق إسرائيلية في بطولة ألعاب، بل بمشهد سياسي وثقافي متكامل يجري بناؤه بعناية. مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، التي أطلقها محمد بن سلمان ضمن مشروعه الضخم للسيطرة على قطاع الألعاب الإلكترونية عالميًا، أعلنت تعاونها المباشر مع “جمعية الرياضات الإلكترونية الإسرائيلية” لجلب ثمانية فرق إسرائيلية وتعيين سبعة مدربين إسرائيليين للمشاركة في البطولة.
الأخطر أن البطولة تُقدَّم رسميًا تحت شعار “تعزيز روح الانتماء الوطني”، في مفارقة صادمة تكشف كيف يحاول النظام السعودي إعادة تعريف مفهوم الوطنية نفسه عبر دمج الحضور الإسرائيلي داخل الفضاء الترفيهي والثقافي السعودي، بينما تُدفع القضايا السياسية والتاريخية إلى الهامش.
المشهد يزداد فجاجة عندما يظهر أن السلطات السعودية ستسمح برفع العلم الإسرائيلي في الرياض، بينما تمنع دولًا أخرى مثل روسيا وروسيا البيضاء وحتى “تايبيه الصينية” من استخدام أعلامها خلال البطولة. هذه المفارقة لم تعد مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رسالة سياسية واضحة حول طبيعة الأولويات الجديدة التي يعيد النظام السعودي ترتيبها تحت غطاء “الانفتاح” و”الرياضات الإلكترونية”.
“التطبيع عبر البلايستيشن”كيف يستخدم النظام الألعاب لإعادة هندسة الوعي؟
منذ سنوات، يدفع محمد بن سلمان بمليارات الدولارات نحو قطاع الألعاب الإلكترونية، ليس فقط باعتباره صناعة مربحة، بل باعتباره أداة استراتيجية لإعادة تشكيل صورة النظام داخليًا وخارجيًا. الاستثمارات السعودية الضخمة في شركات الألعاب والبطولات العالمية لم تكن مجرد مشاريع ترفيهية، بل جزء من مشروع سياسي طويل المدى يقوم على استبدال النقاشات السياسية بقضايا الترفيه والاستهلاك الرقمي.
النظام السعودي يدرك أن الجيل الجديد يتفاعل مع منصات الألعاب والرياضات الإلكترونية أكثر من تفاعله مع الإعلام التقليدي أو الخطاب السياسي المباشر. لذلك تحولت هذه المساحات إلى أدوات ناعمة لتمرير تحولات كانت قبل سنوات تعتبر مستحيلة داخل السعودية.
مشاركة الفرق الإسرائيلية في بطولة تُقام داخل الرياض ليست حدثًا رياضيًا معزولًا، بل محاولة لتطبيع الوجود الإسرائيلي داخل الوعي اليومي للشباب السعودي والعربي عبر بوابة تبدو “محايدة” مثل الألعاب الإلكترونية. هكذا يتحول الترفيه إلى أداة سياسية، وتصبح الألعاب الرقمية منصة لإعادة صياغة المفاهيم الوطنية والإقليمية.
المفارقة أن النظام الذي يسجن المغردين والناشطين بسبب منشورات سياسية أو مواقف تضامنية، يفتح في المقابل المجال أمام فرق إسرائيلية ومدربين إسرائيليين للمشاركة تحت رعاية حكومية كاملة، وكأن المشكلة لم تعد في “التطبيع” نفسه، بل فقط في الأصوات التي تعترض عليه.
“الرياض الجديدة” عاصمة تُفتح للأعلام الإسرائيلية وتُغلق أمام الأصوات المعارضة
السماح برفع العلم الإسرائيلي داخل الرياض يحمل دلالات سياسية أعمق من مجرد مشاركة رياضية. فالدولة التي ما زالت تمنع أشكالًا واسعة من العمل السياسي والإعلامي المستقل، باتت مستعدة لاحتضان رموز سياسية حساسة داخل فعالياتها الترفيهية طالما أنها تخدم مشروع إعادة التموضع الإقليمي الجديد.
المفارقة الأوضح أن البطولة نفسها فرضت قيودًا على أعلام دول أخرى، بينما لم تواجه إسرائيل أي قيود مشابهة، ما يعكس طبيعة “الاستثناء السياسي” الذي بات يحظى به الحضور الإسرائيلي داخل المشاريع السعودية الجديدة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن المسار العام الذي يسلكه النظام السعودي منذ سنوات، حيث يجري استخدام الترفيه والرياضة والسينما كأدوات لتغيير صورة المملكة دوليًا، وفي الوقت نفسه لإعادة تشكيل الداخل السعودي وفق رؤية سياسية جديدة تتجاوز الاعتبارات التقليدية المرتبطة بالقضية الفلسطينية أو المزاج الشعبي العربي.
لكن هذه السياسة تحمل أيضًا تناقضًا واضحًا. فبينما تُفتح المنصات الرسمية أمام الفرق الإسرائيلية، تُغلق في المقابل المساحات أمام أي نقاش حر حول طبيعة هذه التحولات أو آثارها السياسية والاجتماعية. وهكذا يصبح “الانفتاح” انتقائيًا، يخدم فقط الاتجاهات التي تريد السلطة فرضها.
“وطنية بن سلمان الجديدة”المال والترفيه بدل التاريخ والسياسة
اختيار عبارة “تعزيز روح الانتماء الوطني” كشعار للبطولة يكشف جوهر المشروع الذي يحاول النظام السعودي بناءه. الوطنية هنا لم تعد مرتبطة بالقضايا السياسية الكبرى أو الهوية التاريخية أو المواقف الإقليمية، بل باتت تُعاد صياغتها عبر الفعاليات الترفيهية والمشاريع الرقمية والانفتاح الثقافي غير المشروط.
هذه الرؤية تشبه إلى حد كبير فلسفة “نيوم” نفسها: بناء مجتمع جديد قائم على الاستهلاك والترفيه والاقتصاد الرقمي، مع تقليص حضور الأسئلة السياسية والتاريخية داخل المجال العام.
لكن المشكلة أن هذا التحول لا يجري بشكل طبيعي أو تدريجي داخل المجتمع، بل يُفرض من أعلى عبر المال والإعلام والمهرجانات والبطولات، في محاولة لصناعة هوية جديدة منفصلة عن السياقات التقليدية للمنطقة.
ولذلك تبدو مشاركة الفرق الإسرائيلية في بطولة “وطنية” داخل الرياض أكثر من مجرد حدث رياضي؛ إنها إعلان سياسي عن شكل السعودية التي يريدها محمد بن سلمان: دولة تُدار بالترفيه والاستثمارات والعلاقات الجديدة، بينما تُهمَّش القضايا القديمة باعتبارها عبئًا على مشروع “الانفتاح”.
نظام بن سلمان يستخدم الترفيه لإعادة رسم الخريطة السياسية والثقافية للمنطقة
ما يجري داخل قطاع الرياضات الإلكترونية السعودي لم يعد مجرد محاولة لبناء صناعة رقمية أو استضافة بطولات عالمية، بل مشروع سياسي متكامل لإعادة تشكيل الوعي والهوية والتحالفات داخل المنطقة. السماح برفع العلم الإسرائيلي في الرياض، واستضافة فرق ومدربين إسرائيليين تحت شعار “الانتماء الوطني”، يكشف حجم التحول الذي يقوده النظام السعودي بعيدًا عن الخطاب التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود.
الحقيقة التي تتكشف أن الترفيه لم يعد ترفيهًا، والألعاب الإلكترونية لم تعد مجرد ألعاب. كل بطولة وكل فعالية وكل استثمار ضخم بات جزءًا من مشروع أكبر لإعادة صياغة السعودية سياسيًا وثقافيًا وإقليميًا.
لكن أخطر ما في المشهد أن هذه التحولات تُدار وسط غياب أي نقاش مجتمعي حقيقي، وفي ظل بيئة إعلامية مغلقة لا تسمح بظهور اعتراضات أو مساءلات واسعة. وهكذا يتحول “الانفتاح” إلى عملية أحادية الاتجاه: تُفتح الأبواب لما تريده السلطة، وتُغلق أمام كل ما قد يناقش أو ينتقد أو يعارض.
وفي النهاية، قد تنجح الحكومة السعودية في تنظيم بطولات ضخمة وجلب فرق إسرائيلية إلى الرياض، لكنها تكشف في الوقت نفسه حقيقة أكثر وضوحًا: أن مشروع محمد بن سلمان لم يعد مجرد مشروع اقتصادي أو ترفيهي، بل محاولة شاملة لإعادة كتابة هوية المملكة والمنطقة عبر المال والألعاب والشاشات العملاقة.





