تستعد مجموعة أوبك+ لإعلان زيادة جديدة في إنتاج النفط خلال الأسابيع المقبلة، وفقًا لما نقلته رويترز عن مصادر داخل المنظمة. لكن ما يدور خلف الكواليس أكثر من مجرد اتفاق فني: إنه صراع مكشوف بين النظام السعودي وروسيا حول آخر أوراق النفوذ في سوقٍ مترنحة.
الرياض تضغط لزيادة كبيرة في الإنتاج بزعم “استعادة الحصة السوقية”، بينما تميل موسكو إلى زيادة محدودة جدًا لتفادي انهيار الأسعار أكثر، ولأنها أصلًا غير قادرة على رفع إنتاجها بسبب العقوبات الغربية. النتيجة المتوقعة؟ جولة جديدة من التوتر داخل التحالف، تُظهر بوضوح أن ابن سلمان فقد البوصلة النفطية التي كانت تمنح بلاده وزناً عالميًا لعقود.
من قائد السوق إلى تاجر قلق
قبل سنوات قليلة، كانت السعودية تتباهى بأنها “المنتج المرجِّح” في أوبك، القادرة على ضبط الأسعار بقرار واحد. اليوم، يتحرك النظام بعصبية المديون الذي يبحث عن أي دولار إضافي لسد العجز. فوزارة المالية رفعت مؤخرًا تقديرات العجز لعام 2025 إلى 5.3% من الناتج المحلي، مقابل 2.3% في التقديرات السابقة، والسبب واضح: إنفاق جنوني على مشاريع بلا عوائد، وأسعار نفط حقيقية متدنية تاريخيًا.
ابن سلمان لا يبحث عن استقرار السوق، بل عن سيولة عاجلة. زيادة الإنتاج ليست خطوة استراتيجية، بل مقامرة قصيرة المدى لشراء وقت إضافي قبل أن تنكشف أزمة مالية أكبر. فبدلًا من تنويع الاقتصاد كما وعدت “رؤية 2030”، عاد النظام إلى الاعتماد الكامل على برميل النفط نفسه الذي أراد أن يتحرر منه.
لعبة الأرقام والهاوية المالية
الأسعار الاسمية للنفط تبدو مستقرة نسبيًا، لكنها مضلّلة. فبعد احتساب التضخم، يبلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط نحو 66 دولارًا للبرميل، أي ما يعادل 50 دولارًا فقط بقيمة 2020، و29 دولارًا بقيمة 1995. هذه الأرقام تُظهر أن النفط اليوم رخيص تاريخيًا بالقوة الشرائية الحقيقية، وأن الزيادة في الإنتاج لن تعني بالضرورة زيادة في الإيرادات، بل ربما العكس تمامًا.
زيادة المعروض في سوق يعاني من تباطؤ الطلب العالمي (خصوصًا في الصين وأوروبا) ستدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع. أي أن النظام السعودي، في محاولته لتوسيع الحصة، سيبيع أكثر ليخسر أكثر — وهي المعادلة التي طبعت سياساته الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة: ضخ الأموال بلا عائد، ثم تحميل الشعب عبء الفاتورة عبر الضرائب والرسوم.
موسكو والرياض تحالف المصالح المتصدع
منذ تأسيس أوبك+ عام 2016، شكّل التنسيق السعودي–الروسي محورًا لاستقرار السوق. لكن العلاقة دخلت مرحلة توتر متزايد، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على موسكو.
روسيا، التي تبيع نفطها بأسعار مخفّضة للأسواق الآسيوية، لا ترى مصلحة في خفض الأسعار أكثر. أما ابن سلمان، فيسعى لاستعادة مكانته السوقية بعد أن خسرها لصالح منتجين جدد من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا.
في جوهر الأمر، يحاول النظام السعودي استخدام أوبك+ لتحقيق أهدافه الخاصة، فيما يرى الروس أن المملكة تُعرّض التحالف كله للانهيار. ومع تزايد الخلافات حول حجم الزيادة وموعدها، يبدو أن تحالف النفط الشهير يتآكل بهدوء — ضحية طموحات ابن سلمان الاقتصادية الفاشلة.
من السياسة إلى البورصة النفط كأداة دعاية
منذ صعود ولي العهد، تحوّل النفط من مصدر قوة استراتيجية إلى أداة سياسية ودعائية. كل اجتماع لأوبك+ يُقدَّم في الإعلام السعودي كمشهد “قيادي” يُظهر قدرة المملكة على توجيه الأسواق، بينما الواقع يكشف تراجعًا حادًا في القدرة على التأثير.
السياسات المتقلبة — من خفض الإنتاج إلى زيادته ثم العودة للخفض — أفقدت المستثمرين الثقة في استقرار السوق السعودي. وحتى داخل التحالف، باتت قرارات المملكة تُقرأ باعتبارها ردود فعل على أزماتها المالية الداخلية أكثر منها خططًا مدروسة.
بهذا المعنى، لم تعد الرياض “قائد السوق” كما كانت، بل تاجرًا مذعورًا يحاول إنقاذ موازنة غارقة في العجز.
رؤية 2030 على سرير الإنعاش
أي زيادة جديدة في الإنتاج تعني شيئًا واحدًا: رؤية 2030 فشلت في تحقيق استقلال الاقتصاد عن النفط.
بعد كل ما أُنفق من دعايات واستثمارات خارجية، يعود النظام إلى نفس البرميل كمصدر وحيد للدخل. والأسوأ أن المشاريع التي رُوّج لها كبديل — مثل نيوم والطاقة المتجددة وقطاع الترفيه — تحولت إلى مستنزفات مالية ضخمة.
النفط الذي كان يُفترض أن يكون الجسر إلى “الاقتصاد الجديد”، أصبح القيد الذي يخنق كل محاولة إصلاح حقيقي. وكلما انخفض سعره، تضاعف خوف النظام من الانهيار، فزاد الإنتاج، لتتسع الفجوة أكثر. إنها حلقة مفرغة من العجز والإنكار.
العجز يهدد تمويل “نيوم” وصندوق الاستثمارات العامة
تراجع الأسعار المتوقع بعد الزيادة المحتملة في الإنتاج سيُشكل ضربة مباشرة لمشاريع ابن سلمان الرمزية، وعلى رأسها نيوم ومشروعات صندوق الاستثمارات العامة. هذه المشاريع تعتمد على تمويل حكومي ضخم مصدره الفوائض النفطية، ومع تقلص العائدات ستواجه الدولة صعوبة في تغطية التزاماتها دون اللجوء إلى الاقتراض أو بيع أصول جديدة.
صندوق الاستثمارات العامة الذي خسر مليارات في مشاريع مثل “ليف غولف” و“لوسيد موتورز” يعيش الآن على ضخّ مستمر من المال العام. أي تراجع في الإيرادات النفطية سيجعل هذا الصندوق عبئًا إضافيًا على الموازنة بدل أن يكون رافدًا لها. أما “نيوم”، المشروع الذي وُصف بأنه “مدينة المستقبل”، فقد يتحول قريبًا إلى نُصب تذكاري للفشل المالي والسياسي، حين يتوقف التمويل الخارجي وتتبخر السيولة الداخلية.
بهذا المعنى، كل برميل إضافي يُنتج الآن لن يملأ الخزينة، بل سيُسرّع نزيفها، لأن الزيادة في الإنتاج ستدفع الأسعار إلى القاع، فتتساقط مشاريع ابن سلمان تباعًا مع كل دولار يضيع من قيمة النفط.
السياسة فوق المصلحة الوطنية
القرار النفطي القادم من الرياض لم يعد اقتصاديًا بحتًا، بل سياسي بامتياز. ابن سلمان يسعى لإظهار قوته أمام الداخل والخارج بعد سلسلة من الانتقادات الدولية لانتهاكات حقوق الإنسان والانهيارات المالية. زيادة الإنتاج تمنحه مشهد “القائد القادر على تحريك السوق”، حتى لو كانت النتيجة نزيفًا جديدًا في الإيرادات.
إنها سياسة “الصورة أولًا”، التي باتت تطبع كل تحركات النظام: من صفقات الرياضة والترفيه إلى تحالفاته النفطية.
برميل إضافي خطوة أقرب إلى الهاوية
الزيادة المرتقبة في إنتاج النفط ليست خطة اقتصادية بقدر ما هي صرخة استغاثة من نظام ينهار تحت ثقل عجزه المالي.
بينما تلهث السعودية خلف الحصة السوقية، يتآكل احتياطيها المالي، وتغرق رؤية 2030 في الديون والمشاريع الفاشلة.
كل برميل إضافي سيُباع بسعر أقل، وكل دولار يدخل الخزينة سيتبخر في صفقات استعراضية جديدة.
النفط الذي بنى مجد المملكة ذات يوم، يتحول اليوم إلى شاهد على فشل ابن سلمان في إدارة ثروة وطن، وتحويلها إلى أداة دمار اقتصادي طويل المدى.
وفي الأفق، تتبدى الحقيقة التي لا يريد النظام الاعتراف بها:
لم تعد زيادة الإنتاج تعني القوة، بل الانحدار نحو قاع الهاوية المالية — برميلًا بعد برميل.






