أشهر قليلة تفصلنا على مرور أربع سنوات منذ بدء الإعلان عن مشروع مدينة نيوم العملاقة الرأسمالية الرائدة في كل شيء في العالم، لكن حتى هذه اللحظة التي يُكتب فيها هذا المقال، لم تحقق أي من تلك الإنجازات سوى أنها أصبحت الصحراء التي تمتلك مطاراً وعدد قليل من القصور.
المتابع لمنصة نيوم الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تويتر، يجد أن أكثر من 95٪ من التغريدات والمنشورات عبارة عن تسويف لإنجازات من المفترض أنها وعود من القائمين على المشروع لإنجاز هذه الخطط في المستقبل، لكن دون موعد محدد أو إيضاح لحيثيات هذا التسويف الدائم.
معظم المنشورات تتحدث عن أن “نيوم ستصبح”، “نيوم تخطط أن تكون”، “سوف نرى نيوم رائدة في مجال ما”، لا يوجد أي حديث عن إنجازات تمت بالفعل سوى بعض الشراكات التي أنفقت الدولة فيها المليارات كي تنجح في الحصول عليها للمساعدة في تحقيق إنجازات “التسويف” هذه.
بداية الإعلان عن نيوم كان وعد وهمي -ليس له أساس حتى الآن على أرض الواقع- في حد ذاته، إذ وعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن المدينة هي جزء كبير من رؤيته 2030 التي بتحقيقها سيتنوع اقتصاد المملكة ولن يعتمد على النفط كما في السابق.
الواقع أن الرؤية نفسها بما فيها “نيوم” أصبحت تعتمد على مدخولات النفط بصورة أساسية، بل وبسببها تم طرح جزء من شركة النفط الوطنية للاكتتاب، فضلاً عن استغلال موارد الدولة الأخرى وأموال صندوق الدولة السيادي للإنفاق على مشاريع ولي العهد، التي “سوف” تحقق الرخاء للمملكة.
في لقائه في وقت سابق من هذا الأسبوع مع الإعلامي عبد الله المديفر، برر الأمير محمد بن سلمان إصراره على التقدم في هذه المشاريع بأنه يحاول استغلال الفرص المتاحة رافضاً أن يعتبر هذا البعض “حرقاً للمراحل”. في عبارة أخرى يمكن القول إن البعض يرون ما يفعله بن سلمان “تهوراً”، لكنه رفض هذا بصورة قطعية، بل قال “إذا كان أمامي 10 آلاف فرصة وقابلة للتحقيق سنعمل عليها ومتى ما حققناها ستحقق آفاقا جديداً”، وهذا دليل جديد على عدم تقديره للأمور بصورة سليمة، فالواقع يشي بغير ذلك تماماً، الواقع يؤكد أن المملكة تعاني من أزمة مالية ضخمة، وأن المواطنون بحاجة إلى كل هذه الأموال التي تُنفق على مشاريع من غير المضمون تحقيقها.
حديث ولي العهد -الحاكم الفعلي للبلاد- أيضاً ينم عن أنه لا يرى أن واقع المملكة الاقتصادي لا يحتمل البدء في مشاريع جديدة واستنزاف مقدراته لتتحقق هذه المشاريع.
الأكثر من ذلك، وبكل أسف، أن القائمين على “نيوم” يعتبرون أن البدء في مشاريع داخلية -قبل حتى إتمام المشروع الرئيسي- هو إنجاز يستحق الفخر، ففي نظرهم، الإعلان عن مشروع مدينة “ذا لاين” هو إنجاز “يدعم تحقيق #رؤية_السعودية_2030 ويجسّد عبرها الإرث الحي لمستقبل المملكة”.
الإنجاز الحقيقي هو أن يرى الجميع نجاحات ملموسة على أرض الواقع، أن يكن لهذه النجاحات تأثيرات قوية على حياة المواطنين، أن تساهم في ازدهار المجتمع وتحقيق الرخاء لأفراده. الإنجاز الحقيقي أن يصبح المشروع عاملاً مهماً في تحقيق نجاحات أخرى، لا أن تتحول كل مرحلة من مراحله إلى عبء يُضاف إلى أعباء الدولة ويتحمل تكلفتها المواطنون.
اقرأ أيضًا: متى ينزل القائمين على نيوم إلى أرض الواقع؟






