لم تعد أزمة «نيوم» في تأخر موعد افتتاح مشروع، ولا في ارتفاع تكلفة إنشاء مدينة ضخمة، ولا حتى في أن بعض التصورات الأولى كانت شديدة الطموح. المشكلة أصبحت أكبر من ذلك بكثير: كيف تحوّل مشروع قُدّم باعتباره النموذج الأكثر جرأة لرؤية 2030 إلى نموذج يكشف مخاطر اتخاذ القرار عندما يسبق الطموحُ الجدوى، وتسبق الدعايةُ الهندسة، ويصبح التراجع عن الفكرة أصعب من الاستمرار في الإنفاق عليها؟
الصورة التي تتشكل اليوم عن نيوم مختلفة جذريًا عن الصورة التي انطلقت بها.
في البداية كان الحديث عن مدينة ستعيد تعريف الحياة الحضرية، وعن «ذا لاين» الممتد 170 كيلومترًا، وعن ملايين السكان، وتقنيات غير مسبوقة، ووجهات سياحية ومدن وموانئ ومنتجعات ومناطق صناعية ستجذب رأس المال والمواهب من أنحاء العالم.
أما اليوم، فقد انتقل النقاش من «كيف ستغير نيوم العالم؟» إلى سؤال أكثر إحراجًا:
ما الذي يمكن إنقاذه من نيوم أصلًا؟
وهذا وحده يلخص المسافة بين الإعلان والواقع.
المشكلة لم تكن في الحلم بل في تحويل الحلم إلى أمر تنفيذي
يمكن لأي دولة أن تضع أهدافًا طموحة.
بل إن السعودية تحتاج بالفعل إلى مشروعات كبيرة إذا أرادت تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين الرؤية والاستراتيجية.
الرؤية تقول: نريد مدينة مستقبلية.
أما الاستراتيجية فتسأل: كم ستكلف؟ من سيعيش فيها؟ من سيمولها؟ ما العائد؟ ما التقنيات الموجودة فعلًا؟ ما الجدول الزمني الواقعي؟ وماذا نفعل إذا لم يأت المستثمرون أو السكان بالأعداد المفترضة؟
في نيوم، يبدو أن الإجابة عن السؤال الأول كانت أكثر وضوحًا بكثير من الإجابات عن بقية الأسئلة.
وهنا بدأ الخلل.
فبدل أن تحدد الجدوى حجم المشروع، أصبح المطلوب في مراحل مبكرة البحث عن وسائل هندسية ومالية لتحقيق حجم تقرر مسبقًا.
وهذه طريقة خطرة للغاية في إدارة مشروع بمئات المليارات.
«ذا لاين» كان أكبر من أن يُراجع بسهولة
مدينة خطية بطول 170 كيلومترًا ليست مجرد مشروع عقاري كبير.
إنها رهان اقتصادي وهندسي واجتماعي غير مسبوق تقريبًا.
لكي تعمل الفكرة كما رُوّج لها، تحتاج إلى عدد هائل من السكان والشركات والاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا، وكلها يجب أن تصل في توقيت متقارب.
وهنا تظهر مشكلة المشاريع شديدة الضخامة: كل فرضية تعتمد على الفرضية التي تسبقها.
إذا لم يصل السكان، تتراجع الجدوى التجارية.
إذا تراجعت الجدوى، يقل المستثمرون.
إذا قل المستثمرون، يتحمل الممول السيادي حصة أكبر.
إذا ارتفعت التكلفة، يجري تقليص المشروع.
وإذا جرى تقليصه أكثر من اللازم، قد تختفي بعض المزايا الاقتصادية التي كان الحجم نفسه يفترض أن يخلقها.
وهكذا لا يصبح تقليص «ذا لاين» مجرد حذف كيلومترات من الخريطة.
قد يعني إعادة النظر في المنطق الاقتصادي للمشروع كله.
عندما تصبح الحفريات دليلًا على التقدم
من أخطر الأخطاء في المشاريع العملاقة الخلط بين حجم الإنفاق وحجم الإنجاز.
يمكنك حفر ملايين الأمتار المكعبة من الرمال.
يمكنك توقيع عقود بمليارات الريالات.
يمكنك شراء المعدات وتوظيف آلاف العمال واستقدام أكبر المكاتب الاستشارية في العالم.
لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي:
هل الأصل الذي يجري بناؤه يستحق الأموال التي أُنفقت عليه؟
الحفار يعمل بمجرد دفع المال له.
أما الاستثمار فلا ينجح إلا عندما ينتج قيمة تفوق تكلفته.
ولهذا فإن صور أعمال الإنشاء الضخمة لا تصلح وحدها دليلًا على نجاح نيوم.
النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول تلك الحفريات إلى أصول قابلة للتشغيل، ثم إلى سكان وشركات وسياح وإيرادات وتدفقات نقدية.
المليارات التي أُنفقت لا تبرر المليارات التالية
وهنا يقع أخطر فخ اقتصادي: التكلفة الغارقة.
كلما أنفقت الدولة أكثر على المشروع، أصبح الاعتراف بالحاجة إلى تقليصه أصعب نفسيًا وسياسيًا.
يبدأ التفكير هكذا:
لقد أنفقنا عشرات المليارات، فلا يمكن أن نتوقف الآن.
لكن الاقتصاد يقول العكس تمامًا.
ما أُنفق انتهى.
السؤال الوحيد الذي ينبغي أن يحكم القرار هو:
هل المليار القادم يستحق أن يُنفق؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن ضخ مليار إضافي لا يستعيد المليارات السابقة؛ بل يضيف خسارة جديدة إليها.
وهذا هو الاختبار الأصعب أمام نيوم اليوم.
ليس الدفاع عن القرارات القديمة، وإنما القدرة على إلغاء ما لم يعد منطقيًا، مهما كان الاعتراف بذلك محرجًا.
المشكلة الأخطر: هل كان أحد يستطيع أن يقول «لا»؟
هنا تنتقل القضية من الهندسة إلى السياسة الإدارية.
مشروع بحجم نيوم لا يحتاج فقط إلى مهندسين عباقرة.
يحتاج إلى أشخاص يمتلكون سلطة قول:
هذا غير ممكن.
هذا الموعد غير واقعي.
هذه التكلفة ستتضاعف.
هذا العدد من السكان لن يأتي.
هذه التكنولوجيا غير جاهزة.
هذا المشروع لن يحقق العائد المطلوب.
وهنا تصبح مركزية القرار مشكلة إذا تحولت إلى ثقافة إدارية يخشى فيها المسؤول أو المستشار من تقديم الخبر السيئ.
لأن القائد مهما بلغت قدرته لا يستطيع اتخاذ قرار جيد إذا كانت المعلومات التي تصله قد جرى تنظيفها من الاعتراضات.
أخطر مستشار ليس من يخطئ، بل من يعرف أن الفكرة لا تعمل ثم يعيد ترتيب الأرقام حتى تبدو وكأنها تعمل.
الاستشاريون لا يدفعون الفاتورة
نيوم استقطبت شركات استشارية وهندسية ومعمارية عالمية، وهذا طبيعي في مشروع بهذا الحجم.
لكن وجود أسماء عالمية لا يلغي مسؤولية صاحب المشروع عن القرار النهائي.
الشركة الاستشارية تتقاضى مقابل الدراسة.
المعماري يتقاضى مقابل التصميم.
المقاول يتقاضى مقابل البناء.
البنك يحصل على رسوم التمويل.
لكن إذا لم يحقق المشروع عائدًا، فإن هذه الأطراف لا تعيد بالضرورة ما تقاضته.
الدولة والمساهم السيادي هما من يتحملان النتيجة.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول عبارة «شارك في المشروع أكبر الخبراء في العالم» إلى شهادة ضمان.
يمكن لأفضل الخبراء في العالم تنفيذ مشروع سيئ إذا كانت الفرضية التي طُلب منهم تنفيذها سيئة.
ثم جاءت لحظة السيولة
في سنوات الوفرة، يمكن تأجيل الأسئلة الصعبة.
هناك مال.
فليستمر البناء.
لكن عندما تصبح الحكومة أمام عجز مالي، ويتزاحم الإنفاق على عشرات المشاريع، ويحتاج صندوق الاستثمارات إلى توزيع رأسماله بين السياحة والتعدين والصناعة والذكاء الاصطناعي والرياضة والطيران والسيارات والبنية التحتية، تصبح كل فاتورة في نيوم منافسة لفاتورة أخرى.
وهنا تتغير قواعد اللعبة.
السؤال لم يعد:
هل تستطيع السعودية دفع ثمن نيوم؟
بل:
هل نيوم أفضل مكان تضع فيه السعودية المليار القادم؟
وهذا سؤال أكثر قسوة بكثير.
لأن لكل مليار بديلًا
الأموال التي تُنفق في نيوم كان يمكن أن تبني مصانع أو مدارس أو جامعات أو شبكات نقل أو مشروعات مياه أو شركات تقنية أو بنية صناعية.
هذا لا يعني أن نيوم لا تستحق أي استثمار.
لكن المقارنة ضرورية.
إذا أنفقت دولة عشرات المليارات على مشروع، فلا يكفي أن تقول إن المشروع «استراتيجي».
يجب أن توضح ما القيمة التي سيخلقها مقارنة بالبدائل.
فالمال العام لا يُقاس بما اشتراه فقط، بل أيضًا بما حُرم منه الاقتصاد لأن المال ذهب إلى مكان آخر.
نيوم بدأت تأكل من المستقبل
المشكلة في المشروع العملاق ليست فقط تكلفته الحالية.
كل أصل يُبنى يحتاج لاحقًا إلى تشغيل وصيانة وتجديد.
مدينة جديدة تحتاج إلى كهرباء ومياه ونقل وأمن وخدمات ومدارس ومستشفيات وإدارة.
أي أن تكلفة البناء ليست نهاية الفاتورة؛ إنها بدايتها.
وإذا لم يتولد اقتصاد حقيقي قادر على تمويل هذه الخدمات، تصبح الدولة مطالبة بمواصلة الدعم بعد الافتتاح.
وهنا يتحول المشروع من استثمار يفترض أن يخلق مصدرًا جديدًا للثروة إلى التزام دائم يحتاج إلى مصدر آخر للثروة كي يبقى حيًا.
أين المستثمر الأجنبي الذي كان سيأتي بالمليارات؟
هذا أيضًا أحد الاختبارات الأساسية.
منذ إطلاق رؤية 2030، كان جذب رأس المال الأجنبي عنصرًا محوريًا في الخطاب الاقتصادي.
نيوم تحديدًا كان يفترض أن يكون مغناطيسًا للمستثمرين الدوليين.
لكن هناك فرقًا بين شركة أجنبية تحصل على عقد مدفوع لتنفيذ أعمال داخل المشروع وبين مستثمر يضع أمواله الخاصة ويتحمل المخاطر لأنه مقتنع بالعائد.
الأول مقاول.
الثاني مستثمر.
وهذا التفريق ضروري.
نجاح نيوم الحقيقي لا يقاس بعدد الشعارات العالمية الموجودة على قوائم المقاولين، وإنما بحجم رأس المال الخاص المستعد للمخاطرة إلى جانب الدولة دون الاعتماد على ضمانها المالي.
المشروع الذي أراد بيع المستقبل أصبح مطالبًا بإثبات الحاضر
كانت عبقرية تسويق نيوم قائمة على المستقبل.
كل شيء كان سيحدث لاحقًا.
مدن جديدة.
تقنيات جديدة.
أنماط حياة جديدة.
ملايين السكان.
اقتصاد عالمي جديد.
لكن السنوات تمر، ومعها تقل قيمة الوعود وتزداد قيمة ما هو موجود على الأرض.
وهذا طبيعي.
في 2017 كان من المقبول أن تسأل: ماذا ستصبح نيوم؟
في 2026 يصبح السؤال:
ماذا أصبحت نيوم بعد كل هذه السنوات وكل هذا الإنفاق؟
وكل عام إضافي يجعل الإجابة بالتصورات المستقبلية أقل إقناعًا.
المشكلة ليست أن نيوم لم تكتمل
مشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يكتمل سريعًا.
النقد الجاد لا ينبغي أن يسخر من عدم وجود مدينة كاملة بعد أقل من عقد.
المشكلة هي الفجوة بين الوعود الأصلية والمسار التنفيذي الفعلي.
إذا كانت الأهداف الأولى غير واقعية، فمن وضعها؟
إذا تغيرت، فلماذا تغيرت؟
إذا تضخمت التكاليف، من أخطأ في التقدير؟
إذا جرى تقليص بعض المكونات، فما أثر ذلك على الجدوى الاقتصادية؟
وإذا تغيرت الخطة جذريًا، فلماذا لا تقدم مراجعة مالية علنية تشرح ما الذي بقي من النموذج الأصلي؟
هذه ليست أسئلة معارضة سياسية.
إنها أبسط قواعد الحوكمة في مشروع بهذا الحجم.
نيوم ليست المشكلة وحدها.. إنها الاختبار
ربما يكون أخطر ما في نيوم هو إمكانية تكرار النموذج.
إذا كانت الثقافة الإدارية نفسها تستطيع إطلاق مشروع آخر بالطريقة ذاتها — طموح هائل، جدول زمني شديد التفاؤل، تقديرات مالية مرنة، إنفاق ضخم ثم إعادة تحجيم بعد سنوات — فإن القضية أكبر من مدينة واحدة.
عندها يصبح السؤال عن نظام اتخاذ القرار نفسه.
الدولة القوية ليست التي لا تتراجع.
الدولة القوية هي التي تستطيع اكتشاف الخطأ مبكرًا، وإيقافه، ونشر الحساب، وتحميل المسؤولية لمن أخطأ، ثم منع تكراره.
أما الاستمرار لأن التراجع سيبدو اعترافًا بالفشل، فهو الطريق الأغلى على الإطلاق.
نيوم أمام لحظة الحساب
قد تستمر أجزاء من نيوم وتنجح.
وقد تتحول بعض مناطقها السياحية والصناعية إلى أصول منتجة.
وقد يعاد تصميم «ذا لاين» إلى نموذج أصغر وأكثر قابلية للتنفيذ.
ولذلك فإن إعلان «موت نيوم» بالكامل سيكون سابقًا للأدلة.
لكن شيئًا آخر أصبح واضحًا:
نيوم التي بيعت للعالم في البداية لم تعد تستطيع أن تعيش على قوة العرض الترويجي نفسه.
اليوم يجب أن تتحدث الأرقام.
كم أُنفق؟
كم بقي؟
كم سيكلف الإكمال؟
كم دخل من المستثمرين الحقيقيين؟
كم أصلًا أصبح منتجًا للإيرادات؟
وما العائد المتوقع على كل مليار جديد؟
هذه هي الأسئلة التي تفرق بين «الحلم» و«المشروع».
لقد استطاعت السعودية أن تثبت أنها قادرة على تخيل مشروع لا يشبه شيئًا سبقه.
لكن ذلك لم يكن الامتحان الأصعب.
الامتحان هو أن تثبت أن الخيال يمكن تمويله وبناؤه وتشغيله وتحويله إلى قيمة اقتصادية دون أن يظل صندوق الاستثمارات يضخ المال فقط لأن الاعتراف بأن بعض الأحلام كانت أكبر من الواقع أصبح مكلفًا سياسيًا.
وفي النهاية، لا تحتاج نيوم إلى فيلم ترويجي جديد.
ولا إلى صورة معمارية أكثر جرأة.
ولا إلى وعد بموعد افتتاح آخر.
تحتاج إلى شيء أكثر بساطة وأشد قسوة:
كشف حساب.
فبعد سنوات من بيع المستقبل، حان الوقت لأن يجيب المشروع عن سؤال الحاضر:
ماذا اشترت كل هذه المليارات بالفعل؟






