ليست القصة قصة اختراق إعلامي ولا صعود قوة عربية إلى قلب المؤسسات الأميركية كما يحاول أن يصوّرها إعلام النظام السعودي، بل قصة نظام مأزوم يبحث عن مكان في عالم لا يعترف به إلا كحافظة نقود. غضبُ الإعلام الأميركي بعد انكشاف وساطة جاريد كوشنر بين صناديق الثروة السيادية الخليجية – وعلى رأسها السعودية – وشركة باراماونت في صفقة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري، ليس غضبًا من “قوة سعودية تتوسع”، بل من هشاشة الديمقراطية الأميركية التي سمحت لنظام يعاني من أزمات شرعية داخلية بأن يتسلل إلى بوابة واحدة من أهم المؤسسات الإخبارية في الولايات المتحدة: CNN. وعلى عكس ما يروّج النظام، لا يبدو أن هناك أحدًا في واشنطن يعتبره قوة متصاعدة. ما تراه الصحافة الأميركية هو العكس تمامًا: نظام يستغل الفوضى الأميركية ليشتري لنفسه ما فقده في الداخل من شرعية وصورة وحضور سياسي.
«كوشنر والمال السعودي علاقة ليست نفوذًا بل تبعية»
الغضب الأميركي ليس بسبب أن السعودية “تسيطر” على الإعلام، بل لأنها تحاول استخدام ثرواتها كمسكّن لمشكلة أكبر بكثير: نظام بلا عمق سياسي، وبلا مؤسسات قادرة على خلق ثقة عالمية، يبحث عن واجهة إعلامية جاهزة ليضع عليها اسمه. ما كشفه تقرير Axios، ومن بعده Media ITE، يؤكد أن دخول السعودية في الصفقة لم يأتِ من موقع قوة، بل من باب كوشنر — صهر الرئيس — الذي تحوّل إلى وسيط تجاري لعائلة تسعى إلى أي موطئ قدم داخل المجال الأميركي.
واللافت في هذه الصفقة أن المستثمرين السعوديين وافقوا مسبقًا على التنازل عن كل حقوق الحوكمة:
لا تصويت، لا مقاعد في الإدارة، لا تأثير على الخط التحريري، لا سلطة حقيقية إطلاقًا.
هذا ليس نفوذًا، بل شراء مقعد بلا طاولة، وحضور بلا صوت. وما يصفه بعض الإعلام السعودي بـ”التمدد الاستراتيجي” ليس سوى دخول باهت تتفوق عليه حتى شركات الإعلانات المحلية. فلا أحد في أميركا يرى في النظام السعودي فاعلًا قادرًا على تشكيل الرواية الإعلامية، بل ممولًا متوترًا قلقًا من صورته الدولية يحاول إخفاء عجزه خلف استثمارات لا تمنحه أي تأثير.
«إعلام أميركي لا يحترم المال السعودي ويكشف هشاشته بلا تردد»
مقالات الرأي في الصحف الأميركية الكبرى لم تتعامل مع الصفقة باعتبارها محاولة هيمنة سعودية، بل باعتبارها فضيحة أميركية داخلية تكشف الثقب في جدار حماية الإعلام. فـ Media ITE وصفت الأمر صراحة بأنه “مؤشر مخيف على ضعف بنيوي في الديمقراطية الأميركية”، وليس على قوة النظام السعودي. حتى الصحفيون الذين تناولوا الموضوع لم يطرحوا سؤال “ماذا ستفعل السعودية بالإعلام الأميركي؟”، بل طرحوا سؤالًا مختلفًا تمامًا: “كيف سمحت واشنطن لنفسها بأن تفتح بابًا خلفيًا لنظام لا يمتلك أي سجل يحترم الحريات أو الإعلام؟ الحقيقة التي تتجاهلها ماكينة الدعاية السعودية هي أن الإعلام الأميركي ليس معنيًا بإعطاء النظام أي مساحة نفوذ. لا CNN ستتحول إلى منصة تلميع سعودي، ولا باراماونت ترى في المملكة شريكًا حقيقيًا. كل ما في الأمر أن النظام السعودي يدفع، والولايات المتحدة — التي تشهد صراعًا ماليًا وسياسيًا شرسًا — تقبل المال لأنها تحتاجه. العلاقة ليست علاقة نفوذ، بل علاقة زبون وبائع، طرف يدفع لأن لا شيء آخر لديه يقدمه، وطرف يقبض دون أن يلتزم بشيء.
”.
«النظام الذي يهرب إلى الإعلام الأميركي لأنه فقد السيطرة على روايته داخليًا»
سؤال بديهي يطرحه المراقبون: لماذا يسعى النظام السعودي إلى دخول شبكات إعلام أميركية أصلاً؟
الإجابة لا علاقة لها بالقوة، بل بالخوف النظام الذي كان يسوّق نفسه كقوة صاعدة أصبح محاصرًا بتقارير دولية عن العجز المالي، وبيع أصول أرامكو، وتدهور احتياطاته، وتنمّر صندوق الاستثمارات على اقتصاد متهالك. أزمة السمعة ليست خارجية فقط؛ داخليًا، لم يعد هناك إعلام سعودي قادر على صناعة رواية مقنعة عن “النهضة الاقتصادية” أو “الإصلاحات الكبرى”. كل ذلك يتآكل أمام الرأي العام العالمي، وأمام المواطنين أنفسهم لذلك، يهرب النظام إلى الإعلام الأميركي بحثًا عن نافذة يطل منها، ليس ليؤثر، بل ليصدّق نفسه. النظام الذي كان يطمح إلى أن يصبح مركز القوة الجديد في الشرق الأوسط، يجد نفسه اليوم يتوسل الظهور في فضاء إعلامي خارجي لأن المشهد الداخلي لم يعد يتحمله.
وما يزيد من حجم الفضيحة أن هذا الدخول الإعلامي لم يكن إنجازًا، بل هشاشة أميركية صادمة سمحت بتمرير المال السياسي السعودي رغم تاريخ النظام في سحق الصحافة، من قتل جمال خاشقجي إلى سجن كتّاب ومفكرين وشعراء لمجرد تغريدة.
«المال يشترى به مقعد لا يشترى به نفوذ»
قصة محاولة شراء حصة في وارنر براذرز ليست قصة “قوة سعودية تخترق الإعلام الأميركي”، بل قصة نظام فقد كل أدوات التأثير الحقيقية، فلجأ إلى المال بحثًا عن نافذة لا تمنحه شيئًا. الإعلام الأميركي لم يخف ولم يتغير، بل كشف الفضيحة وهزأ منها. الصفقة لا تمنح السعودية سلطة ولا صوتًا، بل تكشف خواء مشروعها السياسي، وعجزها عن بناء أي نفوذ حقيقي لا يعتمد على الشيك النظام الذي لا يستطيع صياغة روايته في الداخل، لن يصنع رواية في الخارج؛ والدولة التي تشتري المقاعد ولا تمتلك الطاولة، تبقى مجرد متفرج في مسرح لا يعترف بها؛ والمال الذي لا يحترمه أحد، لا يتحول إلى نفوذ بل يتحول إلى دليل على الضعف.






