بينما تتسابق دول العالم لتطوير منظومات الذكاء الاصطناعي على أسس علمية واقتصادية متينة،
تتجه السعودية — بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان — إلى إطلاق مشروع جديد بقيمة 10 مليارات دولار تحت اسم هيومين (Human)، بهدف أن يصبح “الرائد الإقليمي والعالمي في مجال الذكاء الاصطناعي”.
لكن وفقًا لتقرير Intelligence Online، فإن هذا المشروع الجديد لا يقوم على تراكم معرفي أو بنية تقنية محلية، بل على إعادة توزيع الموارد وسحب الكفاءات من مشاريع قائمة — ما أدى إلى زعزعة استقرار منظومة الابتكار السعودية نفسها.
يؤكد التقرير أن التمويل الضخم لمشروع هيومين جاء على حساب مشاريع تقنية أخرى ممولة من صندوق الاستثمارات العامة، بما في ذلك برامج التحول الرقمي ومراكز البيانات الوطنية.
وبسبب النقص الحاد في الكفاءات المحلية، لجأت الشركة إلى استقطاب خبرات غربية من شركات تعمل أصلًا داخل السعودية في مشاريع مثل سدايا ونيوم تك وأرامكو ديجيتال. هذا ما خلق حالة من التنافس الداخلي والفوضى التنظيمية بدلًا من التكامل المؤسسي.
بمعنى آخر، المشروع الجديد لا يضيف طبقة جديدة من التطور، بل ينقل الموارد من جهة إلى أخرى دون إنتاج فعلي.
استيراد العقول بدلًا من بنائها
رغم إنفاق المملكة مليارات الدولارات على برامج “تمكين الكفاءات الوطنية”، يبدو أن نموذج“الاستيراد السريع” عاد ليهيمن مجددًا. فمشروع هيومين يعتمد بشكل شبه كامل على خبراء غربيين في إدارة البيانات والنماذج اللغوية الضخمة والتصميم السحابي. وهذا يعني أن المشروع السعودي الذي يُقدَّم كرمز لـ“السيادة التقنية” يُدار عمليًا من قبل مقاولين أجانب، بينما تُهمّش الكفاءات المحلية في الأدوار الثانوية والتنفيذية.
هذا النمط تكرر سابقًا في مشاريع “نيوم” و“ذا لاين” و“أوكساجون”، حيث أصبحت الخبرة المستوردة هي العمود الفقري لأي مشروع كبير، مع بقاء المواطن في موقع المتفرّج.
“هيومين” من فكرة طموحة إلى خطر على السوق المحلي
بحسب المصادر، أثار المشروع قلقًا داخل المؤسسات السعودية القائمة، إذ يخشى المدراء التنفيذيون في مشاريع مثل “سدايا” و“مركز البيانات الوطني” من أن يتحول هيومين إلى منافس حكومي داخلي يستنزف الموظفين والموازنات، دون وضوح في الأهداف التقنية أو الاقتصادية.
هذا التداخل يعكس مشكلة هيكلية في “اقتصاد الرؤية”:
كل مشروع جديد يُعلن كـ“قفزة نوعية”، لكنه في الواقع يولد من رحم تراجع مشروع سابق لم يُستكمل أو ينجح.
النتيجة: تراكم مشاريع ضخمة بلا استدامة أو تقييم موضوعي للنتائج.
المفارقة أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في السعودية لا ينفصل عن السياق السياسي والإعلامي للرؤية. فالمشروع يُستخدم لتأكيد صورة محمد بن سلمان كـ“قائد التحول العالمي”، تمامًا كما استُخدمت مشاريع “نيوم” و“موسم الرياض” و“بوابة الدرعية” لإبراز القوة الرمزية للنظام.
لكن هذا التركيز على الرمزية والاستعراض يأتي على حساب جوهر التنمية التقنية، حيث تُدار المشاريع كعروض علاقات عامة أكثر منها كمبادرات علمية حقيقية.
النتيجة: مشهد تقني متخم بالتمويل، فقير في البحث العلمي، ومتضخم في التسويق السياسي.
المال وحده لا يصنع المعرفة
الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا ماليًا يُقاس بالمليارات، بل منظومة علمية تحتاج إلى تراكم سنوات من البحث والتعليم والتجريب. وبينما تنفق السعودية 10 مليارات دولار على هيومين، ما تزال الجامعات المحلية تعاني من ضعف الإنفاق على الأبحاث، وغياب البيئة التشريعية التي تضمن حرية البحث والاستقلال الأكاديمي.
الاستثمار بلا مؤسسات علمية يشبه بناء ناطحة سحاب بلا أساس — مشهد مدهش فوق الأرض، هشّ تحتها.
المستقبل الذي يكرر الماضي
مشروع هيومين يختصر مأزق “التحول السعودي”:
محاولة القفز إلى المستقبل عبر المال، من دون المرور بمرحلة بناء المعرفة. ورغم الخطاب الطموح عن “الريادة في الذكاء الاصطناعي”، تكشف التفاصيل أن ما يحدث هو إعادة إنتاج لنمط نيوم نفسه — تمويل ضخم، استقطاب أجانب، غياب الكفاءة المحلية، ونتائج غير ملموسة.
في نهاية المطاف، لن يقاس نجاح هيومين بعدد ملياراته، بل بقدرته على خلق بيئة تقنية وطنية حقيقية.
وحتى الآن، يبدو أن المشروع الجديد يسحب الذكاء من الداخل ليستورده من الخارج — تمامًا كما سحب المال من الدولة ليُستثمر في الواجهة.






