على الرغم من أن المشهد السياسي الذي صدّره البيت الأبيض خلال استقبال محمد بن سلمان بدا، للوهلة الأولى، كأنه مناسبة دبلوماسية رسمية محكومة ببرتوكول واضح يتضمن كلمات مدروسة وابتسامات محسوبة وبيانات متزامنة، فإن ما جرى في العمق كان خليطًا آخر تمامًا، أقرب إلى عملية تضخيم مقصودة لوعود غير قابلة للقياس، وإلى بناء رواية إعلامية مصمّمة بعناية تُظهر شراكة مزدهرة بين واشنطن والرياض، بينما الحقيقة الفعلية مجرد محاولة مشتركة لإنتاج صورة سياسية متوهجة تُخفي تحت ألوانها اللامعة هشاشة الاتفاقيات المعلنة، وافتقارها إلى أي تفاصيل ملموسة، وابتعادها عن أي خريطة تنفيذية حقيقية، في وقت يستند فيه النظام السعودي إلى البهرجة الخارجية لترميم صورته في الغرب، ويستند فيه البيت الأبيض إلى نفس البهرجة لصناعة إنجازات تُستخدم في الحملات الانتخابية، رغم أن كل ما قيل في ذلك اليوم كان مجرد صناعة متقنة للوهم، لا أساس له في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في المستقبل.
“تريليون دولار رقم صاخب بلا جذور”
حين أعلن البيت الأبيض أن السعودية بصدد زيادة التزاماتها الاستثمارية في الولايات المتحدة لتقترب من تريليون دولار، بدا الرقم مصممًا خصيصًا ليعمل كصوت انفجار إعلامي أكثر منه إعلانًا اقتصاديًا، إذ جاء دون أي تحديد للمسارات التي ستتدفق من خلالها تلك الاستثمارات أو الآلية التي ستُنظم بها أو المؤسسات التي ستديرها أو القطاعات المستهدفة أو الإطار الزمني الذي ستوزّع عليه، مما يجعل الرقم أقرب إلى عرض دعائي مخصص لتلميع العلاقات الخارجية، وقابل للاستخدام في خطاب سياسي أكثر من كونه خطة اقتصادية قابلة للتنفيذ، خصوصًا حين نتذكر أن النظام السعودي منشغل داخليًا في تمويل مشاريع عملاقة تلتهم عشرات المليارات دون عائد واضح، وأن قدرته على ضخ مثل هذه الالتزامات في الخارج ليست إلا خطوة محسوبة على الأقل إعلاميًا، بينما يعرف الطرفان أن هذا الرقم لن يتحول إلى واقع، بل سيبقى في دائرة “وعد ضخم” يُستخدم لتغطية غياب التفاصيل، وهو غياب يكشف بدوره أن ما تم تقديمه ليس سوى مناورة سياسية تُخفي أكثر مما تُظهر.
“النووي المدني اتفاقية مُعلّقة بين الغموض والسراب”
الإعلان عن استكمال المفاوضات بين واشنطن والرياض حول “التعاون في الطاقة النووية المدنية” جاء في صيغة فضفاضة لا تشبه اتفاقيات نووية حقيقية، إذ لم يقدّم البيان أي معلومات تتعلق بطبيعة التقنية المزمع توفيرها، ولا مراحل التطوير، ولا القيود الرقابية، ولا الضمانات الأمنية، ولا الإطار الزمني، وهي كلها عناصر تُعد أساسًا في أي مشروع نووي مدني، وهو ما يجعل الاتفاق أشبه بإطار خارجي صيغ لأغراض سياسية بحتة، وخصوصًا حين نتذكر أن هذا النوع من المشاريع يتطلب بيئة علمية وتشريعية ورقابية لا يمتلكها النظام السعودي أصلًا، وأن أي نقاش جدي حول برنامج نووي يضع السعودية أمام معايير دولية صارمة لا تتوافق مع طبيعة الحكم ولا مع مستوى الشفافية في مؤسسات الدولة، وهذا ما يجعل “الاتفاق” أقرب إلى سراب تمت صياغته ليبدو كأنه خطوة كبرى، بينما هو في جوهره مجرد عنوان يُستخدم لتضخيم حدث سياسي بحاجة إلى غطاء أكبر من حجمه.
“المعادن والذكاء الاصطناعي عناوين فارغة بلمسة تكنولوجية لامعة”
إعلان “إطار العمل للمعادن الأساسية” جاء بلا مضمون، فلا حديث عن نوع المعادن أو حجم الاستثمار أو طبيعة الشراكة أو حجم الإنتاج أو مستوى التدخل ولا حتى أفق زمني، مما يجعله ورقة عارية من أي تفاصيل قابلة للتحقق، بينما الاتفاق المتعلق بالذكاء الاصطناعي جاء أكثر غرابة، فهو يَعِدُ بـ“وصول سعودي إلى الأنظمة الأميركية الرائدة عالميًا” وفي الوقت نفسه يؤكد “حماية تلك التكنولوجيا من النفوذ الأجنبي”، وهو تناقض يكفي لفهم أن هذه الصياغة أقرب إلى تجميل إعلامي منها إلى اتفاق حقيقي، إذ لا تملك السعودية، لا من حيث البنية التحتية ولا من حيث الكفاءات ولا من حيث البيئة التشريعية، ما يمكّنها من المشاركة في منظومة ذكاء اصطناعي مع دولة تضع تكنولوجياتها في أعلى درجات الحساسية الأمنية، وهو ما يجعل الاتفاق باختصار مجرد عبارات لامعة تُضاف إلى السردية الرسمية، دون أي عمق واقعي.
“اتفاقية الدفاع الاستراتيجية شراكة على الورق، فاتورة في الواقع”
بين كل البنود المعلنة، كان بند الدفاع هو الأكثر صراحة في كشف طبيعة العلاقة، إذ إن ما سمّاه البيت الأبيض “اتفاقية دفاع استراتيجي” لم يكن إلا إعادة إنتاج لصيغة قديمة مفادها أن السعودية تواصل دفع تكاليف الوجود العسكري الأميركي، سواء بشكل مباشر أو عبر تسهيلات مالية وصناعية، وأن الشركات الدفاعية الأميركية تحصل على بيئة مُيسّرة للتمدد داخل المملكة مقابل أموال جديدة تُضخ لتغطية تكاليف العمليات الأميركية، وهو ما يعني أن الاتفاقية ليست “تحالفًا دفاعيًا” بالمعنى الحقيقي، بل عقد مقاولات عسكرية تموّله الرياض لضمان استمرار السقف الأمني الأميركي، وهو سقف تعتمد عليه بشكل أكبر كلما ازداد اضطراب الداخل السعودي واتسعت مخاطر المنطقة، مما يجعل الاتفاقية استمرارًا لمنطق التبعية أكثر منها خطوة لبناء استقلال استراتيجي فعلي.
“F-35 السلاح الذي يتحول إلى دليل على عدم الثقة”
الحديث عن “مبيعات دفاعية كبرى” و“تسليمات مستقبلية لطائرات F-35” جاء مصحوبًا بتصريح واضح من ترامب يشير إلى أن النسخ الممنوحة للسعودية قد تكون “من عيار منخفض”، وهذا التصريح لا يعبّر فقط عن واقع الصناعة الدفاعية الأميركية التي تلتزم بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، بل يكشف أيضًا عن مستوى الثقة الحقيقي الذي تنظر به واشنطن إلى النظام السعودي، إذ حتى حين تُدفع المليارات، يبقى السلاح ناقص القدرات، ما يجعل الصفقة من ناحية سياسية أكبر من كونها اتفاقًا عسكريًا، ويجعلها من ناحية أخرى انعكاسًا لحقيقة أن السعودية — رغم كونها أكبر مشترٍ للسلاح الأميركي — لا تحصل على قدرات توازي حجم ما تدفعه، وهو تناقض يكشف العلاقة الحقيقية: مال سعودي… مقابل حماية مشروطة.
“صوت ميكس الحقيقة التي حاولوا إغراقها تحت جبل الوعود”
وسط هذا الركام من البيانات والتصريحات والأرقام اللامعة، ارتفع صوت النائب غريغوري ميكس ليضع الأمور في سياقها الأخلاقي الحقيقي حين قال إن جمال خاشقجي لم يكن شخصية مثيرة للجدل، بل كان صحفيًا محترمًا في واشنطن بوست، وإن التاريخ لا يُعاد كتابته وفق أهواء السلطة وليس من حق أحد تلميع صفحة ملطخة بدم معارض سياسي، وكانت هذه الجملة بمثابة ثقب في جدار البهرجة، لأنها أعادت التذكير بأن كل اتفاق، وكل بيان، وكل “وعد استثماري”، وكل “شراكة جديدة”، ليست سوى غطاء تُستخدم لتجفيف النقاش حول جريمة سياسية ما زالت مفتوحة، وأن أي محاولة لإعادة صياغة صورة ابن سلمان داخل واشنطن ستظل معطوبة ما دامت الحقيقة الأساسية — وهي دور النظام في قتل خاشقجي حسب تقديرات الاستخبارات الأميركية — ما زالت قائمة ولا تتغير.
“وعود بلا جذور وتاريخ لا يُمحى”
في المحصلة، يظهر أن كل ما خرج من البيت الأبيض لم يكن سوى طبقة سميكة من التزيين السياسي، تُغطّي اتفاقيات بلا مضمون، واستثمارات بلا تفاصيل، وشراكات بلا قدرة تنفيذ، وتعاونًا بلا مسارات واضحة، وهو ما يجعل الحدث كله مجرد عملية علاقات عامة أكثر من كونه تحركًا استراتيجيًا، بينما تبقى الحقيقة الأعمق أن النظام السعودي يحاول، عبر هذه البهرجة، شراء شرعية خارجية تعوض غياب الشرعية الداخلية، وأن واشنطن، في المقابل، تستخدم الرياض كخزان مالي يسند أجندتها الخارجية، ورغم ما يبدو من انسجام ظاهري، فإن هذا النوع من الشراكات يبقى هشًا، لأنه قائم على المصالح المؤقتة لا على الثقة، وعلى الأرقام المنفوخة لا على المشاريع، وعلى التلميع لا على الحقائق، بينما الحقيقة الأوضح والأشد رسوخًا وسط هذا الدخان كله هي تلك التي قالها ميكس: إن التاريخ لا يُنقّح، وإن دم جمال خاشقجي لا يمكن تغطيته تحت أي اتفاق أو أي بيان أو أي وعد مهما بدا ضخمًا.






