5.75 مليار دولار لذخائر ومحركات أمريكية.. السعودية تدفع مجددًا فاتورة القوة العسكرية بينما «توطين الدفاع» يواجه اختبار الاستقلال الحقيقي

5.75 مليار دولار لذخائر ومحركات أمريكية.. السعودية تدفع مجددًا فاتورة القوة العسكرية بينما «توطين الدفاع» يواجه اختبار الاستقلال الحقيقي

في وقت ترتفع فيه احتياجات الحكومة السعودية من الاقتراض، وتتعرض صادرات النفط لضغوط الحرب، وترتفع تكاليف مشاريع البناء، وتبدأ شركات صندوق الاستثمارات مرحلة أكثر تشددًا في التمويل، تظهر فاتورة جديدة بحجم يصعب التعامل معه باعتباره تفصيلًا: صفقة أسلحة أمريكية محتملة بقيمة 5.75 مليار دولار، أي نحو 21.6 مليار ريال.

وبحسب المعلومات التي نقلتها رويترز، تشمل الصفقة أكثر من 10 آلاف من عتاد التوجيه JDAM-ER، إلى جانب أجسام قنابل من طرازي BLU-111 وBLU-117، فضلًا عن محركات دبابات AGT-1500.

الصفقة تأتي في بيئة أمنية استثنائية، ولذلك لا يمكن اختزالها في القول إن الرياض «تهدر الأموال على السلاح». دولة تقع وسط حرب إقليمية واضطراب طرق الطاقة لديها أسباب حقيقية لتعزيز مخزونها العسكري.

لكن الرقم يفتح ملفًا أكثر إحراجًا لرؤية 2030: بعد سنوات من الحديث عن توطين الصناعات العسكرية، لماذا لا تزال الأزمات الكبرى تعيد السعودية إلى الخزانة الأمريكية للحصول على الذخيرة والمحركات التي تحتاج إليها قواتها؟

 21.6 مليار ريال ليست مجرد صفقة.. إنها تكلفة إضافية للحرب حتى دون دخول السعودية فيها

السعودية ليست بحاجة إلى أن تكون طرفًا مباشرًا في حرب حتى تدفع ثمنها.

الحرب تضغط على صادرات النفط.

ترفع تكلفة الشحن.

تزيد تكاليف مواد البناء.

تربك الاقتصاد.

وتفرض في الوقت نفسه زيادة المخزونات والاستعداد العسكري.

وهكذا تعمل الصدمة في اتجاهين ماليين متعاكسين: تضغط على مصادر الدخل، وتخلق نفقات جديدة.

وقيمة الصفقة المحتملة وحدها تقارب 21.6 مليار ريال.

هذه الأموال لا تعني بالضرورة دفعة نقدية واحدة وفورية؛ صفقات التسليح الأمريكية تمر بمراحل، وقد يمتد التنفيذ والتسليم والمدفوعات سنوات. كما أن الموافقة الأمريكية على بيع محتمل ليست هي نفسها إثبات إتمام كل المشتريات بالقيمة القصوى المعلنة.

لكن الالتزام المحتمل يظل كبيرًا.

وكل ريال يخصص للدفاع له تكلفة فرصة بديلة: ريال لا يذهب إلى مشروع صناعي أو بنية تحتية أو تخفيض العجز أو تجنب جزء من الاقتراض.

الأمن ضرورة، لكن الضرورة لا تجعل التكلفة تختفي.

 عشرة آلاف JDAM-ER.. السعودية تشتري المخزون لكنها لا تشتري الاستقلال

الجزء الأكثر دلالة في الصفقة ليس الرقم فقط، وإنما طبيعة المشتريات.

عتاد JDAM يحول القنابل التقليدية إلى ذخائر موجهة بدقة أكبر، بينما توفر النسخ ذات المدى الممتد قدرة أفضل على الاستخدام من مسافات أبعد.

بالنسبة لقوة جوية تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات غربية، فإن امتلاك مخزون مناسب من هذه الذخائر مفهوم عسكريًا.

لكن هنا يظهر الفارق بين امتلاك السلاح وامتلاك منظومته الصناعية.

يمكن للسعودية شراء عشرة آلاف وحدة.

ويمكنها شراء المزيد بعد ذلك.

لكن ماذا يحدث في أزمة تختلف فيها المصالح السعودية والأمريكية؟

ماذا يحدث إذا تغير موقف الكونغرس؟

أو وضعت واشنطن شروطًا سياسية؟

أو أصبحت مخزونات الولايات المتحدة نفسها تحت ضغط؟

الاستقلال العسكري لا يُقاس بعدد القنابل الموجودة في المستودع فقط.

بل بقدرة الدولة على إنتاجها وصيانتها وتحديثها وتأمين قطعها ومكوناتها عندما لا يكون المورد الخارجي راغبًا أو قادرًا على تلبية الطلب.

وهنا تحديدًا يصبح شعار توطين الصناعات العسكرية أكثر أهمية من أي معرض دفاعي.

 بعد سنوات من «توطين 50%».. الاختبار ليس تصنيع قطعة بسيطة بل السلاح الذي تحتاجه المملكة وقت الحرب

من أهداف رؤية 2030 المعروفة رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري بصورة كبيرة.

وهذا هدف منطقي للغاية.

السعودية كانت لعقود واحدة من أكبر أسواق السلاح العالمية، وبالتالي فإن تحويل جزء من هذه المشتريات إلى صناعة محلية يمكن أن يحتفظ بجزء أكبر من الأموال داخل الاقتصاد، ويوفر وظائف وتقنيات وسلاسل توريد ويخفض الاعتماد الخارجي.

لكن هناك فرقًا بين توطين الإنفاق العسكري وبين امتلاك استقلال صناعي في أكثر الأنظمة حساسية.

يمكن رفع نسب المحتوى المحلي عبر الصيانة والتجميع والخدمات وبعض المكونات.

لكن الاختبار الحقيقي يأتي في الذخائر المتقدمة والمحركات والإلكترونيات وأنظمة التوجيه.

وجود محركات AGT-1500 للدبابات ضمن صفقة أمريكية جديدة يطرح السؤال نفسه بصورة مختلفة.

المحرك هو قلب المنظومة.

وإذا كانت المعدات الرئيسية تحتاج في لحظات الضغط إلى سلسلة توريد أجنبية، فإن التوطين يظل جزئيًا مهما ارتفعت النسب الإجمالية المعلنة.

وهذا لا يعني أن السعودية لم تحقق تقدمًا في التصنيع العسكري.

بل يعني أن النسبة وحدها لا تخبرنا ما الذي تم توطينه فعلًا ومدى أهميته الاستراتيجية.

 واشنطن لا تبيع السعودية معدنًا فقط.. إنها تبيعها علاقة اعتماد طويلة

صفقات السلاح تختلف عن شراء سلعة تجارية عادية.

عندما تشتري دولة طائرة أو دبابة أو منظومة أمريكية، فإن العلاقة لا تنتهي لحظة التسليم.

هناك تدريب.

وصيانة.

وقطع غيار.

وذخائر.

وتحديثات.

ودعم فني.

وعمر تشغيلي قد يمتد عقودًا.

وبالتالي فإن القرار الذي اتخذته السعودية قبل سنوات بشراء منظومات أمريكية يخلق طلبًا أمريكيًا جديدًا اليوم.

وهذا ما يجعل الاعتماد الدفاعي أكثر صعوبة في التفكيك من الاعتماد التجاري.

يمكن تغيير مورد القمح خلال فترة قصيرة نسبيًا.

لكن لا يمكنك تغيير محرك دبابة أو منظومة تسليح جوية بالكامل غدًا دون تكاليف هائلة.

ولهذا تمتلك واشنطن من خلال صادرات الدفاع أداة نفوذ تتجاوز قيمة العقود نفسها.

والسعودية، رغم محاولاتها تنويع علاقاتها بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها، لا تزال مرتبطة في أجزاء مهمة من بنيتها العسكرية بالمنظومة الأمريكية.

شراء السلاح يمنح الرياض قوة عسكرية، لكنه يمنح المورد أيضًا نفوذًا على استمرار تلك القوة.

 المفارقة المالية: السعودية تقترض أكثر ثم ترسل مليارات جديدة إلى مصانع السلاح الأمريكية

التوقيت يجعل الصفقة أكثر حساسية.

الحكومة السعودية تتوقع احتياجات تمويلية أعلى في 2026.

وصندوق الاستثمارات أصبح أكثر تشددًا مع شركاته.

وبعض مشروعات الرؤية يعاد تقييمها.

والحرب رفعت تكاليف النقل والبناء.

وفي هذه البيئة تظهر إمكانية تخصيص 5.75 مليار دولار أخرى للدفاع.

مرة أخرى، لا يعني ذلك أن السعودية «تقترض تحديدًا لكي تشتري هذه الأسلحة». أموال الدولة ليست فاتورة واحدة يمكن ربط كل دولار فيها بسند محدد.

لكن على مستوى الميزانية الوطنية توجد حقيقة لا يمكن تجاوزها:

كلما ارتفعت النفقات في جانب، ازدادت الضغوط على بقية الجوانب إذا لم ترتفع الإيرادات بالمقدار نفسه.

ولهذا فإن أفضل عائد طويل الأجل من هذه الصفقة لن يكون مجرد وصول عشرة آلاف ذخيرة إضافية.

بل أن تستخدم الرياض قوتها الشرائية لانتزاع أكبر قدر ممكن من نقل المعرفة والتصنيع والصيانة المحلية، بحيث تصبح الصفقة التالية أقل اعتمادًا على الخارج.

 السؤال ليس لماذا تشتري السعودية السلاح وسط الحرب.. بل لماذا لا تزال مضطرة لشراء هذا القدر منه من الخارج؟

من السهل مهاجمة الصفقة بسبب رقمها.

لكن السؤال الأكثر جدية ليس ما إذا كانت السعودية تحتاج إلى الذخائر في بيئة إقليمية خطرة.

من الطبيعي أن تستعد الدولة عسكريًا عندما تحترق المنطقة من حولها.

السؤال الحقيقي يتعلق بما حدث خلال السنوات السابقة.

السعودية أنفقت لعقود عشرات المليارات على السلاح الأمريكي، ثم جعلت توطين الصناعة العسكرية أحد أهداف تحولها الاقتصادي.

لذلك يجب أن تكون كل صفقة جديدة معيارًا لقياس التقدم:

كم منها سيُنتج داخل المملكة؟

كم من صيانتها سيصبح سعوديًا؟

ما التقنيات التي ستُنقل؟

وما المكونات التي ستظل مرتبطة بموافقة المورد الأجنبي؟

لأن الاستقلال الدفاعي لا يعني أن تمتلك المال الكافي لشراء عشرة آلاف ذخيرة عندما تبدأ الأزمة.

الاستقلال الحقيقي هو أن تقل حاجتك إلى طلبها من دولة أخرى عندما تبدأ الأزمة.

وفي النهاية، تستطيع السعودية دفع 5.75 مليار دولار والحصول على مخزون أكبر ومحركات جديدة وتعزيز جاهزيتها.

لكن إذا جاءت الأزمة التالية بعد سنوات واضطرت الرياض مجددًا إلى صفقة أمريكية بمليارات أخرى لتعويض ما استهلكته، فستصبح المشكلة أكبر من تكلفة السلاح.

عندها سيكون السؤال الذي يواجه رؤية 2030 العسكرية واضحًا:

بعد كل الأموال التي أُنفقت تحت عنوان التوطين، هل بنت السعودية صناعة دفاعية تقلل اعتمادها على واشنطن فعلًا، أم بنت جيشًا أكثر تطورًا لا يزال يحتاج إلى المفتاح الأمريكي كي يستمر في العمل؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية