في الوقت الذي تتكالب فيه الحكومات القمعية على أدوات العلاقات العامة لتجميل صورتها في الخارج، قررت السعودية الدخول على خط الأكاذيب “المقننة”، عبر ما يُسمى باستطلاعات الرأي، التي تمنح محمد بن سلمان شرعية مُعلّبة، كأنها نتائج انتخابات عربية في القرن الماضي: “99.9% من السعوديين يحبونه”، و”92% يرونه عرّاب الإصلاح”، و”80% راضون عن السياسات الاجتماعية”.
تبدو هذه الأرقام أقرب إلى نكتة من أن تكون نتيجة لقياس علمي حقيقي للرأي العام. وفي بلد يُعتبر فيه النقد خيانة، والتغريدة تُدخل صاحبها السجن، فإن مجرد طرح استطلاع رأي يبدو فعلًا عبثيًا. ما معنى “رأي” في غياب حرية التعبير؟ وما معنى “استطلاع” في ظل دولة بوليسية؟
“علم الاستطلاع” في مملكة الصمت
يبدو أن النظام السعودي قرر أن يتحدث نيابة عن الشعب، ثم يصدق كذبته، ويعلنها كحقيقة. فبدل أن يفتح أبواب الديمقراطية، فتح ميزانية للعلاقات العامة، ليصنع استطلاعًا وفق المواصفات الرسمية: أسئلة موجهة، عينة مختارة، نتائج مصقولة، وترويج إعلامي لا يترك للمواطن سوى دور “المتلقي المصفّق”.
لا أحد يجرؤ أن يقول “لا” في دولة تقمع الكلمة وتحظر الرأي المستقل. فلا صحافة حرة، ولا منابر حوار، ولا قنوات يمكن للمواطن أن يعبر فيها عن موقفه دون خوف. فكيف نثق بنتيجة تقول إن أكثر من 90% من الشعب يبارك سياسات ولي العهد؟ حتى في كوريا الشمالية، باتوا أكثر حذرًا في النسب.
الرقم بديلاً عن الديمقراطية
منذ صعود محمد بن سلمان، أدار الدولة كمشروع فردي، يعتمد على مبدأ “الشرعية الرقمية” لا الشرعية السياسية. هذه النسب الفلكية ليست سوى انعكاس لغياب المشهد التعددي الحقيقي. لا أحزاب، لا نقابات، لا برلمان منتخب، لا رقابة قضائية مستقلة. إذًا من أين تأتي “النسبة”؟ ومن يقرر أن هذه الأغلبية حقيقية؟
الجواب بسيط: من يدفع لقياس الرأي هو نفسه من يُملِيه.
النتيجة مُعلّبة، والمشهد مُخرج بعناية
الجهات التي تولت هذا “الاستطلاع” ليست مستقلة ولا علمية، بل مؤسسات تموّلها الدولة، أو شركات علاقات عامة دولية تعمل وفق الطلب. يتم تصميم الأسئلة بحيث تستبعد النقد، وتوجه الإجابة، ويتم الترويج لها في الإعلام الرسمي كـ”حقائق دامغة”.
لكن في الواقع، هذه الأرقام لا تُقنع إلا من أنتجها، ولا تخدم إلا نظامًا يبحث عن شرعية مستعارة.
استقرار زائف.. فوق رمال القمع
حين تقول الأرقام إن 99% من السعوديين يثقون بولي العهد، فإن السؤال الحقيقي هو: لماذا إذًا هذا المستوى غير المسبوق من الرقابة؟ لماذا تُغلق الحسابات، وتُلاحق التغريدات، ويُعتقل الناشطون، ويُحاكم المعارضون خلف الأبواب المغلقة؟
أيّ شعب هذا الذي يمنح كل هذا الحب في العلن، ويُعاقب على كل همسة في السر؟ إنها باختصار: جمهورية الخوف، تُنتج ولاءً زائفًا يُباع في الصحف الغربية كسندٍ سياسي.
معادلة “الإصلاح بالقمع”
يقدّم محمد بن سلمان نفسه كـ”المصلح الضرورة”، الذي جاء ليُنقذ المملكة من التطرف والانغلاق. لكنه في الواقع، اختار أقصر طريق إلى السلطة: القبضة الأمنية.
المعارضة يتم تصفيتها تحت مسميات “الإرهاب”، والمثقفون يُخرسون بتهم “التشويش على الأمن”، والنساء يُسجنّ لأنهن قدن سياراتهن قبل أن يُقرر هو السماح بذلك.
أي إصلاح هذا الذي لا يتسع لصوت مختلف؟ أي تحديث لا يحتمل سؤالًا بسيطًا؟ كيف يُبنى وطنٌ بلا حرية، ويُباع في الخارج على أنه “معجزة سياسية”؟
المواطن كمُتفرّج.. لا كشريك
النموذج السياسي السعودي اليوم يحوّل المواطن إلى متفرج على تغييرات فوقية تُفرض فرضًا. تُفتح دور السينما وتُغلق دور القرآن. تُنظّم حفلات صاخبة وتُمنع التجمعات السلمية. تُحرّر المرأة من عباءة لكنها تبقى تحت وصاية الدولة.
وفي هذا المناخ، يُسأل المواطن عبر استطلاع: “هل تحب الأمير؟”. فماذا عساه أن يقول؟ إلا “نعم” حتى لو كان قلبه يصرخ بـ”لا”.
فضيحة أخلاقية أمام الغرب
هذا النوع من “الاستطلاعات المُفبركة” لا يُمرّر داخليًا فحسب، بل يُسوّق للغرب كدليل على “شعبية الإصلاح”. وفي عيون الساسة الغربيين، تبدو السعودية بلدًا حديثًا يحكمه “أمير شاب شعبي”. لكن خلف هذه الستارة، تقبع الحقيقة المرّة: لا حرية، لا شرعية، لا ديمقراطية.
وربما تكشف هذه الدعاية ذاتها عن هشاشة النظام، الذي لا يثق بشعبه بما يكفي ليُجري انتخابات، لكنه يثق بشركة علاقات عامة تستطيع تصنيع “الرضا الجماهيري”.
حين تتحدث النسب يصمت العقل
في النهاية، لا تكذب الأرقام فقط، بل تفضح الكذبة.
حين يقال إن 99% من الناس يحبون الحاكم، فهذه ليست إشارة على الشعبية، بل على الخوف. وكلما ارتفعت النسبة، انخفضت الثقة. فالحكام الأقوياء لا يحتاجون استطلاعات لتأكيد شعبيتهم، بل يحتاجون انتخابات حقيقية ومؤسسات مستقلة وشعوب حرة.
أما حين يُحوّل الرأي العام إلى ورقة في يد السلطة، فإن النتيجة الوحيدة الممكنة هي: “كلهم يحبونني”… حتى يُسقطهم الشارع بلا صوت. لأنه في النهاية، لا استطلاع ينجو من الحقيقة.






