البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“نمو على الورق وانكشاف في الجوهر”اقتصاد بن سلمان غير النفطي يتغذّى على الدولة ويخفي أزمة هيكلية متصاعدة

“نمو على الورق وانكشاف في الجوهر”اقتصاد بن سلمان غير النفطي يتغذّى على الدولة ويخفي أزمة هيكلية متصاعدة

بن سلمان
بن سلمان

واجهة براقة تُقدَّم على أنها “نجاح اقتصادي جديد”، وأرقام تُروَّج كدليل على تنويع حقيقي، لكن ما تكشفه التقارير الدولية يرسم صورة مختلفة تمامًا. تقرير موقع أذر نيوز الأخير يعيد تفكيك الرواية الرسمية حول “الازدهار غير النفطي” في ظل نظام محمد بن سلمان، ويضعها في سياقها الحقيقي: نمو قائم على الإنفاق الحكومي، لا على ديناميكية السوق، ما يعني أن أي حديث عن تحول اقتصادي حقيقي لا يزال بعيدًا عن الواقع.

المشكلة هنا لا تتعلق بمعدل النمو، بل بمصدره. عندما يعتمد الاقتصاد على ضخ الأموال من الدولة وصندوق الاستثمارات العامة لتحفيز الطلب، فإن ما يحدث ليس نموًا ذاتيًا، بل توسع مصطنع، سرعان ما ينكمش عند أول صدمة. هذا النمو، الذي يتم تقديمه كإنجاز، يخفي في داخله هشاشة هيكلية تجعل الاستدامة محل شك.

نمو مدفوع بالإنفاق لا بالإنتاج: اقتصاد يتحرك بأموال الدولة

التقرير يشير بوضوح إلى أن الزخم الاقتصادي في القطاعات غير النفطية لا ينبع من نشاط القطاع الخاص، بل من الإنفاق الحكومي المستمر. هذه النقطة جوهرية، لأنها تعني أن الاقتصاد لم يتحرر فعليًا من الاعتماد على الدولة، بل أعاد إنتاج هذا الاعتماد في شكل جديد.

هذا النمط يتقاطع مع ما أشار إليه تقرير صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025، الذي أكد أن النمو في السعودية لا يزال مرتبطًا بشكل كبير بالإنفاق العام، خاصة عبر مشاريع “رؤية 2030”. هذه المشاريع، رغم ضخامتها، لا تعكس بالضرورة نشاطًا اقتصاديًا مستدامًا، بل دورة إنفاق تعتمد على الموارد الحكومية.

في هذا السياق، يصبح القطاع الخاص تابعًا، لا محركًا. بدل أن يقود النمو، ينتظر ضخ السيولة من الدولة، ما يضعف قدرته على الابتكار والاستقلال. هذا النموذج لا يمكن أن يستمر دون دعم مستمر، وهو ما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.

صندوق الاستثمارات العامة: محرك النمو أم مصدر المخاطر؟

أحد أبرز النقاط التي يثيرها التقرير هو الاعتماد المفرط على صندوق الاستثمارات العامة كأداة لتحفيز الاقتصاد. هذا الصندوق، الذي يُفترض أن يكون أداة استثمارية طويلة الأمد، تحوّل إلى محرك رئيسي للطلب، ما يضع عليه عبئًا مزدوجًا.

تقرير وول ستريت جورنال في مارس 2026 أشار إلى أن الصندوق بدأ بالفعل في تقليص الإنفاق والتوظيف، وبيع جزء من محفظته في الأسهم الأمريكية، في مؤشر على ضغوط مالية متزايدة. هذه الخطوات تعكس أن الصندوق لم يعد قادرًا على الاستمرار بنفس وتيرة الإنفاق، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل النمو الذي يعتمد عليه.

الاعتماد على الصندوق بهذا الشكل يعني أن أي تراجع في قدرته التمويلية سيؤدي مباشرة إلى تباطؤ اقتصادي. بدل أن يكون أداة دعم، أصبح نقطة ضعف، لأن الاقتصاد أصبح مرتبطًا بأدائه بشكل مباشر.

ثقة المستثمرين تحت الضغط: نمو بلا قاعدة مستقرة

رغم الجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا تزال الثقة مشوبة بالقلق، كما يشير تقرير أذر نيوز. هذا القلق ليس مرتبطًا بعوامل مؤقتة، بل بمخاوف هيكلية تتعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه.

الأرقام الرسمية، التي نقلتها وول ستريت جورنال، تشير إلى أن الاستثمار الأجنبي لم يتجاوز 35.5 مليار دولار في 2025، وهو رقم بعيد عن الهدف المعلن البالغ 100 مليار دولار سنويًا بحلول 2030. هذه الفجوة تعكس أن المستثمرين لا يرون في السوق بيئة مستقرة بما يكفي لضخ استثمارات طويلة الأمد.

السبب لا يعود فقط إلى التوترات الإقليمية، بل إلى طبيعة النمو نفسه. عندما يكون النمو مدفوعًا بالإنفاق الحكومي، يصبح مرتبطًا بالقرارات السياسية، لا بقوى السوق، وهو ما يزيد من المخاطر.

النفط لا يزال في الخلفية: الاعتماد القديم بواجهة جديدة

رغم الحديث المتكرر عن تنويع الاقتصاد، لا يزال النفط يلعب دورًا حاسمًا في تمويل هذا النمو. التقرير يشير إلى أن أي تذبذب في أسعار النفط أو قيود في الإنتاج قد يعيد الضغوط المالية، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على هذا المصدر.

هذا التناقض يظهر بوضوح عند النظر إلى الميزانية، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على عوائد النفط. تقرير لصندوق النقد الدولي في 2025 أكد أن الإيرادات النفطية تشكل الجزء الأكبر من التمويل، ما يعني أن أي انخفاض في الأسعار سيؤثر مباشرة على الإنفاق.

في هذا السياق، يصبح “النمو غير النفطي” مرتبطًا بشكل غير مباشر بالنفط، لأنه يعتمد على الأموال التي يوفرها. هذا الارتباط يجعل التنويع شكليًا، لا حقيقيًا.

رؤية 2030 تحت الاختبار: هل يمكن الاستمرار بهذا النموذج؟

التساؤل الذي يفرض نفسه يتعلق بقدرة هذا النموذج على الاستمرار حتى 2030. الرؤية تقوم على جذب استثمارات، تطوير القطاع الخاص، وتقليل الاعتماد على النفط، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الأهداف لم تتحقق بالشكل المطلوب.

الاعتماد على الإنفاق الحكومي وصندوق الاستثمارات العامة يعني أن أي ضغط مالي سيؤثر مباشرة على تنفيذ المشاريع. هذا ما بدأ يظهر بالفعل، مع تقارير عن تقليص الإنفاق وتأجيل بعض المشاريع.

في ظل هذه المعطيات، تصبح الرؤية أكثر عرضة للتقلبات، لأن نجاحها مرتبط بعوامل خارجية، مثل أسعار النفط والاستقرار الإقليمي، بدل أن يعتمد على بنية اقتصادية قوية.

 “اقتصاد الدولة” عندما يُموَّل النمو من مصدر واحد

ما يكشفه تقرير أذر نيوز لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. اقتصاد يعتمد على الدولة في التمويل، وعلى النفط في الإيرادات، وعلى صندوق الاستثمارات العامة في التحفيز، لا يمكن اعتباره اقتصادًا متنوعًا.

النمو الذي يتم الترويج له قد يبدو قويًا في المدى القصير، لكنه يحمل في داخله عناصر ضعف واضحة، تظهر مع أي تراجع في الإنفاق أو الإيرادات. هذا النموذج، بدل أن يقلل من المخاطر، يعيد إنتاجها بشكل مختلف.

الحقيقة التي تتضح أن “الازدهار غير النفطي” ليس سوى واجهة لاقتصاد لا يزال يعتمد على نفس الأسس القديمة، مع اختلاف في الشكل لا في الجوهر. في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في الأرقام، بل في القاعدة التي تقوم عليها، والتي تظل عرضة للاهتزاز مع أول اختبار حقيقي.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية