البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“جيش بالمليارات وهزائم بالميدان”عقيدة نظام بن سلمان تكشف لماذا يفشل السلاح المتطور أمام واقع المحسوبية

“جيش بالمليارات وهزائم بالميدان”عقيدة نظام بن سلمان تكشف لماذا يفشل السلاح المتطور أمام واقع المحسوبية

بن سلمان
بن سلمان

أرقام الإنفاق العسكري تُوضع في الواجهة كدليل قوة، وصفقات السلاح تُقدَّم كضمان للتفوق، لكن النتائج على الأرض تروي قصة مختلفة تمامًا. الخسائر التي تكبّدها الجيش السعودي خلال الحرب في اليمن، بما في ذلك تدمير عشرات الدبابات المتطورة واختراق الحدود، لا يمكن تفسيرها بعامل تقني أو نقص في المعدات، بل تكشف خللًا أعمق يتعلق ببنية المؤسسة العسكرية نفسها. هذا ما يطرحه محلل الاستخبارات الأمريكية السابق مايكل شوركين، الذي يقدّم قراءة مباشرة لجوهر المشكلة: جيش تُبنى قياداته على الولاء لا الكفاءة، ويُدار بمنطق الحماية السياسية لا الفعالية القتالية.

المعادلة التي تظهر هنا لا تتعلق بقدرة السلاح، بل بمن يستخدمه. حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى امتداد للنظام السياسي، وتُدار الترقيات وفق العلاقات لا الإنجاز، تصبح النتيجة الحتمية جيشًا ضخمًا على الورق، لكنه عاجز في الميدان. هذا التناقض بين الحجم والنتائج يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولة تنفق مليارات الدولارات على الدفاع أن تواجه صعوبات في مواجهة خصم أقل تجهيزًا؟

المحسوبية بدل الكفاءة: كيف تُبنى القيادة العسكرية

الطرح الذي يقدمه شوركين يضع إصبعه على نقطة حساسة: طريقة تشكيل سلك الضباط. الترقيات، وفق هذا التحليل، لا تعتمد على الأداء أو الخبرة القتالية، بل على العلاقات مع العائلة المالكة والولاء السياسي. هذا النمط لا يمثل مجرد خلل إداري، بل يؤثر مباشرة على جودة القيادة.

في أي مؤسسة عسكرية، تمثل القيادة العامل الحاسم في تحديد الكفاءة. عندما يتم اختيار القادة بناءً على الولاء، فإن ذلك يضعف القدرة على اتخاذ قرارات ميدانية فعالة، ويقلل من مستوى الاحترافية. هذه المشكلة لا يمكن تعويضها بشراء معدات متطورة، لأن السلاح يحتاج إلى عقيدة تشغيل واضحة، وإلى قيادة قادرة على استخدامه بكفاءة.

تقارير سابقة دعمت هذا التقييم. معهد “ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI)، في تقاريره حول الإنفاق العسكري، أشار إلى أن السعودية من أكبر مستوردي السلاح في العالم، لكن هذا لم ينعكس بالضرورة على الفعالية القتالية. هذا التباين يعكس أن المشكلة ليست في الموارد، بل في طريقة إدارتها.

خسائر الميدان: عندما تفشل التكنولوجيا أمام سوء الإدارة

النتائج التي أشار إليها شوركين—تدمير أكثر من 50 دبابة M60 و20 دبابة أبرامز—ليست مجرد أرقام، بل مؤشر على خلل في استخدام المعدات. دبابات أبرامز تُعد من أكثر الأنظمة تطورًا، واستخدامها يفترض مستوى عاليًا من التدريب والتنسيق.

نجاح الحوثيين في استهداف هذه الدبابات واختراق الحدود يكشف أن التفوق التكنولوجي لم يكن كافيًا. هذا يتقاطع مع تقارير ميدانية، مثل ما نشرته رويترز خلال سنوات الحرب، والتي أشارت إلى أن القوات السعودية واجهت تحديات في العمليات البرية رغم تفوقها في التسليح.

السبب، كما يشير التحليل، يعود إلى العقيدة العسكرية. غياب استراتيجية واضحة، وضعف التنسيق، وقيادة غير مبنية على الكفاءة، كلها عوامل تجعل السلاح المتطور أقل فعالية. في هذه الحالة، تتحول المعدات إلى عبء، بدل أن تكون ميزة.

جيشان بدل جيش: الأمن السياسي على حساب الفعالية

أحد أكثر الجوانب إثارة في هذا التحليل هو مسألة وجود “جيشين” داخل المنظومة العسكرية السعودية. هذه البنية، التي قد تبدو غير منطقية من منظور عسكري، ترتبط باعتبارات سياسية، حيث يتم توزيع القوة لتقليل خطر الانقلابات.

هذا النموذج ليس فريدًا، بل يظهر في أنظمة تعتمد على توازنات داخلية لضمان الاستقرار السياسي. لكن هذا التوازن يأتي على حساب الكفاءة، حيث يتم تقسيم الموارد والقيادة، ما يضعف القدرة على العمل كوحدة متكاملة.

شوركين يشير إلى أن هذا أحد الأسباب التي تجعل الجيش السعودي أقل كفاءة من نظيره الإماراتي، رغم أن حجمه أكبر بكثير. هذا التقييم يعكس أن الحجم والإنفاق لا يترجمان بالضرورة إلى قوة فعلية، إذا لم تكن هناك بنية تنظيمية فعالة.

تقارير عسكرية غربية، منها دراسات صادرة عن “International Institute for Strategic Studies”، أشارت إلى أن الجيوش التي تُدار وفق اعتبارات سياسية تواجه صعوبات في تحقيق الكفاءة، لأن الأولوية لا تكون للفعالية، بل للولاء.

عقيدة مأزومة: لماذا لا يمكن إصلاح المشكلة بالمال؟

النقطة التي يبرزها التحليل بوضوح هي أن المشكلة لا يمكن حلها بشراء المزيد من السلاح أو التعاقد مع مدربين غربيين. هذه الإجراءات قد تحسن بعض الجوانب التقنية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة.

العقيدة العسكرية، التي تحدد كيفية استخدام القوة، تحتاج إلى بيئة مؤسسية قائمة على الكفاءة والمساءلة. في غياب هذه البيئة، يصبح أي تطوير محدود التأثير. هذا ما يفسر استمرار الفجوة بين الإنفاق والنتائج.

التجارب الدولية تظهر أن بناء جيش فعال يتطلب إصلاحات هيكلية، تشمل نظام الترقيات، التدريب، والاستقلالية المهنية. هذه الإصلاحات قد تتعارض مع طبيعة النظام السياسي، ما يجعل تنفيذها صعبًا.

في هذا السياق، يصبح الجيش انعكاسًا للنظام، وليس مؤسسة مستقلة. هذا الارتباط يحدّ من قدرته على التطور، لأنه يخضع لنفس القيود التي تحكم النظام.

قوة على الورق” حين يتحول الجيش إلى امتداد للنظام لا للدولة

الصورة التي تتشكل من هذه المعطيات تكشف تناقضًا واضحًا: إنفاق ضخم، معدات متطورة، لكن نتائج محدودة في الميدان. هذا التناقض لا يمكن تفسيره بعوامل سطحية، بل يعكس خللًا عميقًا في بنية المؤسسة العسكرية.

الاعتماد على الولاء بدل الكفاءة، وتقسيم القوة لأسباب سياسية، وغياب العقيدة المهنية، كلها عوامل تجعل الجيش أقل من مجموع أجزائه. في هذه الحالة، لا يكون السلاح هو المشكلة، بل من يديره.

الحقيقة التي تفرض نفسها أن القوة العسكرية لا تُقاس بحجم الإنفاق، بل بقدرة المؤسسة على استخدام مواردها بفعالية. دون إصلاحات هيكلية حقيقية، سيبقى هذا التناقض قائمًا، حيث يظهر الجيش قويًا في التقارير، لكنه يواجه صعوبات على الأرض. في هذا المشهد، لا تبدو المشكلة في معركة واحدة أو خسارة محددة، بل في نموذج كامل يضع الاستقرار السياسي فوق الكفاءة العسكرية، ويجعل من الجيش أداة حماية للنظام، بدل أن يكون قوة للدولة

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية