البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“حياد على الورق ونيران على الأرض” نظام بن سلمان يزج بالداخل في قلب الصراع بينما يروّج لوهم الابتعاد

“حياد على الورق ونيران على الأرض” نظام بن سلمان يزج بالداخل في قلب الصراع بينما يروّج لوهم الابتعاد

بن سلمان
بن سلمان

تصاعد التوتر في الخليج لم يكشف فقط هشاشة التوازنات الإقليمية، بل فضح أيضًا أحد أكبر التناقضات في خطاب نظام محمد بن سلمان: ادعاء الحياد مقابل انخراط عميق في منظومة عسكرية تقودها الولايات المتحدة. هذا التناقض لم يعد مجرد مسألة سياسية أو خطابية، بل تحوّل إلى واقع أمني خطير، حيث أصبحت الأراضي السعودية هدفًا مباشرًا في صراع يتجاوز قدرتها على التحكم في مساراته.

الادعاء بأن النظام يقف على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة يتهاوى أمام الوقائع الميدانية. البنية التحتية العسكرية، والتنسيق الاستخباراتي، والاعتماد الكامل على مظلة الحماية الأمريكية، كلها عوامل تجعل هذا “الحياد” أقرب إلى واجهة إعلامية منه إلى سياسة فعلية. النتيجة لم تعد نظرية، بل ملموسة في شكل هجمات على منشآت حيوية، وانكشاف غير مسبوق للداخل.

حياد مزعوم وانخراط فعلي: كيف تحوّلت الأراضي إلى جزء من المعركة

الخطاب الرسمي الذي يروّج لفكرة “عدم الانخراط” يعتمد على نفي استخدام الأراضي كمنصة مباشرة للهجمات، لكنه يتجاهل حقيقة أن الارتباط العسكري العميق يجعل هذا الفصل غير ممكن. وجود قواعد، أنظمة دفاع، وشبكات دعم لوجستي مرتبطة بالقوى الغربية، يعني أن البلاد ليست خارج الصراع، بل جزء من بنيته.

هذا النمط ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر وضوحًا مع تصاعد المواجهة الإقليمية. كلما تعمق هذا الارتباط، تراجعت قدرة النظام على الادعاء بالحياد، لأن الطرف الآخر لا يفرّق بين المشاركة المباشرة وغير المباشرة. في بيئة مشبعة بالتوتر، يكفي أن تكون جزءًا من منظومة عسكرية حتى تصبح هدفًا.

المفارقة أن هذا الانخراط يتم دون إعلان واضح، ما يخلق فجوة بين الخطاب والواقع. هذه الفجوة ليست مجرد مشكلة سياسية، بل مصدر خطر، لأنها تعني أن المجتمع يعيش في بيئة أمنية غير مستقرة دون أن يكون على دراية كاملة بحجم المخاطر.

بنية تحتية في مرمى النيران: عندما تصبح المدن أهدافًا

الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة والمطارات كشفت أن الفصل بين المدني والعسكري لم يعد قائمًا. في حالة السعودية، حيث تتداخل المنشآت الحيوية مع المناطق السكنية، تصبح المخاطر مضاعفة.

البنية الاقتصادية التي تعتمد على النفط والطاقة تجعل هذه المنشآت أهدافًا استراتيجية، لكن المشكلة لا تتوقف عند الخسائر الاقتصادية. وجود هذه المرافق بالقرب من التجمعات السكانية يعني أن أي استهداف قد يمتد أثره إلى المدنيين.

هذا الواقع يضع النظام أمام معادلة صعبة: كلما زاد الاعتماد على هذه المنشآت، زادت حساسيتها، وكلما تعمق الارتباط العسكري، زادت احتمالية استهدافها. النتيجة أن الداخل يتحول إلى ساحة مفتوحة، حيث تتقاطع المصالح العسكرية مع الحياة اليومية للسكان.

المدنيون في الواجهة: من يدفع ثمن السياسات؟

النتيجة المباشرة لهذا التناقض لا تتحملها المؤسسات، بل السكان. الفئات الأكثر هشاشة، مثل العمالة الوافدة وذوي الدخل المحدود، تجد نفسها في قلب مناطق الخطر، دون أي دور في صناعة القرار.

هذه الفئات غالبًا ما تقيم بالقرب من المناطق الصناعية أو منشآت الطاقة، ما يجعلها الأكثر عرضة لأي استهداف. في غياب خطط واضحة للحماية أو الإخلاء، يصبح وجودهم في هذه المناطق مخاطرة يومية.

المشكلة لا تتعلق فقط بالموقع الجغرافي، بل بغياب الشفافية. المجتمع لا يمتلك معلومات كافية حول طبيعة التهديدات أو الإجراءات المتخذة لمواجهتها، ما يخلق حالة من القلق وعدم اليقين.

هذا الغموض يحوّل السياسات الأمنية إلى قرارات مغلقة، تُتخذ دون مشاركة أو مساءلة، بينما يتحمل المواطنون والمقيمون تبعاتها بشكل مباشر.

تحالفات تمنح الحماية وتضاعف المخاطر

النظام يدرك أن التحالف مع الولايات المتحدة يوفر مظلة ردع، لكنه في الوقت ذاته يضعه في موقع حساس داخل الصراع. هذه العلاقة، التي تُقدَّم كضمان للاستقرار، تحمل في داخلها تناقضًا واضحًا.

كلما تعمق هذا التحالف، زادت احتمالية الانخراط غير المباشر، وكلما زاد هذا الانخراط، اتسعت دائرة الاستهداف. هذه المعادلة تجعل الحماية نفسها مصدرًا للخطر.

الرهان على القوة الاقتصادية لم يعد كافيًا لتعويض هذا الخلل. الهجمات الأخيرة أظهرت أن البنية التحتية، مهما كانت متطورة، لا يمكنها الصمود في بيئة إقليمية متوترة دون استراتيجية أمنية متكاملة.

اقتصاد مكشوف وسياسة مرتجلة: أين تذهب المعادلة؟

الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل يزيد من حساسية الوضع، لأن أي استهداف للبنية التحتية يؤثر مباشرة على الاقتصاد. في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن الاستقرار الاقتصادي منفصلًا عن الواقع الأمني.

السياسة الحالية، التي تجمع بين التحالفات العميقة وخطاب الحياد، تخلق حالة من الازدواجية، حيث يتم اتخاذ قرارات متناقضة دون معالجة آثارها. هذا النهج قد يوفر مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنه يضاعف المخاطر على المدى الطويل.

السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بقدرة هذا النموذج على الاستمرار. هل يمكن الجمع بين الانخراط العسكري والادعاء بالحياد دون دفع ثمن داخلي؟ الوقائع تشير إلى أن الإجابة تميل إلى النفي.

 “وهم الحياد” حين تتحول السياسات إلى خطر داخلي

ما تكشفه التطورات الأخيرة ليس مجرد خلل في التوازنات، بل أزمة في تعريف الدور نفسه. الحياد لا يمكن أن يكون مجرد خطاب، بل يحتاج إلى استقلالية في القرار وتقليص الاعتماد على الخارج، وهو ما لا يتوفر في الحالة الحالية.

استمرار هذا النهج يعني ترسيخ معادلة خطرة: تحالفات تمنح نفوذًا سياسيًا، لكنها في الوقت ذاته تجعل الداخل عرضة لصراعات لا يملك السيطرة عليها. في هذه المعادلة، لا يكون الخطر نظريًا، بل واقعًا ينعكس على الأمن اليومي للسكان. الحقيقة التي تفرض نفسها أن “الحياد” كما يُطرح اليوم ليس سوى غطاء لسياسات متشابكة، تضع البلاد في قلب الصراع بدل أن تبعدها عنه. ومع كل تصعيد جديد، يتضح أن الثمن لا يُدفع في الخارج، بل داخل الحدود، حيث يتحول الأمن إلى معادلة غير مضمونة النتائج

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية