البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“مملكة الصوت الواحد” نظام بن سلمان يخنق الإعلام ويحوّل الإنترنت إلى ساحة مطاردة جماعية

“مملكة الصوت الواحد” نظام بن سلمان يخنق الإعلام ويحوّل الإنترنت إلى ساحة مطاردة جماعية

بن سلمان
بن سلمان

لم يعد القمع الإعلامي في السعودية مجرد سياسة تضييق تقليدية، بل تحوّل إلى منظومة شاملة تهدف إلى السيطرة الكاملة على كل مساحة يمكن أن يظهر فيها رأي مستقل أو خطاب خارج الرواية الرسمية. ما يجري اليوم ليس مجرد حجب حسابات أو اعتقال صحفيين، بل إعادة تشكيل المجال العام بالكامل ليصبح خاضعًا لرقابة مركزية صارمة، تُدار سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا في آن واحد.

الحملة الأخيرة التي نفذتها هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، واستهدفت عشرات الحسابات المعارضة، من بينها حسابات منصة “مفتاح”، تكشف أن النظام لم يعد يكتفي بمراقبة الإعلام التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة أكثر عدوانية تقوم على محاصرة الفضاء الرقمي نفسه. هذه الخطوات تأتي بالتزامن مع انهيار موقع المملكة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود، حيث تراجعت السعودية إلى المرتبة 176 من أصل 180 دولة، لتقف عمليًا بين أكثر الأنظمة قمعًا للإعلام في العالم.

الرسالة التي يبعثها النظام واضحة: لا مساحة لأي صوت خارج الخط الرسمي، سواء كان صحفيًا، ناشطًا، أو حتى مستخدمًا عاديًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

إعلام تحت الحصار” كيف اختفت أي مساحة مستقلة؟

المشهد الإعلامي داخل السعودية لم يعد يحتمل حتى الحد الأدنى من الاستقلالية. المؤسسات الإعلامية، سواء الحكومية أو الخاصة، تعمل جميعها ضمن إطار تحدده السلطة، بينما تحولت وكالة الأنباء الرسمية إلى المرجع المركزي الذي تُبنى عليه الروايات والتغطيات.

الصحف والقنوات التي تبدو مختلفة في الشكل، مثل الوطن وعكاظ والرياض، لا تعكس تعددية حقيقية، بل اختلافات شكلية داخل نفس المنظومة. النقد السياسي شبه غائب، والتحقيقات المستقلة اختفت، وأصبحت التغطية الإعلامية أقرب إلى عملية ترويج دائمة للسلطة ومشاريعها.

الأخطر أن الرقابة لم تعد مفروضة فقط من الأعلى، بل تحولت إلى رقابة ذاتية عميقة. الصحفيون والكتّاب باتوا يدركون أن أي خروج عن السردية الرسمية قد يقود إلى السجن أو المنع أو التشهير، ما جعل الخوف نفسه أداة ضبط فعالة.

هذا المناخ خلق إعلامًا منزوع الحيوية، يكرر نفس الخطاب، ويتجنب أي ملف حساس، خصوصًا ما يتعلق بالحقوق والحريات أو السياسات الاقتصادية المتعثرة.

القوانين كسلاح” من الصحافة إلى “الجريمة الإلكترونية

التحول الأخطر خلال السنوات الأخيرة تمثل في استخدام المنظومة القانونية كأداة مباشرة لقمع التعبير. قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية لم تعد تُستخدم لملاحقة الجرائم الفعلية، بل لتجريم الرأي نفسه.

منذ 2018، توسع نطاق الأحكام القاسية بحق مستخدمي الإنترنت، حتى أصبحت تغريدة أو منشور أو إعادة نشر محتوى كافية لفتح ملف أمني. العقوبات لم تعد رمزية، بل تصل إلى أحكام طويلة بالسجن، وأحيانًا إلى الإعدام، كما حدث مع الصحفي تركي الجاسر، الذي تحوّلت قضيته إلى رمز عالمي لتدهور أوضاع الصحافة في المملكة.

هذا التصعيد لم يكن منفصلًا عن قضية جمال خاشقجي، التي كشفت للعالم أن استهداف الصحفيين لم يعد يقتصر على الداخل، بل يمكن أن يمتد إلى الخارج أيضًا. منذ تلك اللحظة، أصبح واضحًا أن النظام ينظر إلى الإعلام المستقل باعتباره تهديدًا أمنيًا، لا جزءًا طبيعيًا من أي مجتمع حديث.

القمع لم يعد مرتبطًا بالمقالات أو البرامج فقط، بل توسع ليشمل كل أشكال التعبير الرقمي، ما يعني أن الإنترنت نفسه أصبح ساحة مراقبة وملاحقة.

ترفيه في الواجهة وقمع في الخلفية

المفارقة الأكثر وضوحًا أن هذا التشدد الإعلامي يحدث بالتوازي مع إنفاق مليارات الدولارات على الترفيه والرياضة والسينما، في محاولة لصناعة صورة “حديثة” للمملكة. حفلات، مهرجانات، بطولات رياضية، واستثمارات إعلامية ضخمة تُستخدم لتقديم البلاد كمساحة انفتاح، بينما الواقع الداخلي يتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا.

مؤسسات مثل MBC Group وقناة العربية تمثل جزءًا من هذه الاستراتيجية، حيث يتم توظيف النفوذ الإعلامي إقليميًا لتلميع الصورة، في وقت تُغلق فيه أي مساحة للنقاش الحقيقي داخل البلاد.

هذا التناقض يكشف جوهر المرحلة: الانفتاح مطلوب حين يتعلق بالترفيه والاستهلاك والصورة الخارجية، لكنه يصبح خطرًا حين يمس السياسة أو الحقوق أو المحاسبة.

الأخطر أن النظام لم يكتفِ بالقمع المباشر، بل بنى منظومة رقمية كاملة تشمل “الذباب الإلكتروني” وحملات التشهير والمراقبة والتجسس، حتى على المعارضين في الخارج. هذا يعني أن الرقابة لم تعد محصورة داخل الحدود، بل أصبحت عابرة للدول.

دولة تخاف من الكلمة”حين يتحول الإنترنت إلى زنزانة مفتوحة

ما يجري في السعودية اليوم ليس مجرد تضييق إعلامي، بل مشروع متكامل لإعادة هندسة المجال العام بحيث لا يبقى فيه سوى صوت واحد. الصحافة المستقلة اختفت، والنقاش السياسي جرى تجريمه، والفضاء الرقمي تحوّل إلى مساحة مراقبة دائمة.

الحقيقة التي يكشفها تراجع المملكة في مؤشرات حرية الصحافة ليست فقط أن الإعلام مقموع، بل أن النظام نفسه أصبح أكثر حساسية تجاه أي خطاب مستقل، مهما كان محدودًا. دولة تنفق المليارات على الترفيه والصورة الدولية، لكنها تخشى تغريدة أو منصة رقمية، تكشف بنفسها حدود “الانفتاح” الذي تروج له.

وفي النهاية، حين تصبح الكلمة جريمة، والصحفي هدفًا، والإنترنت ساحة مطاردة، فإن المشكلة لا تكون في الإعلام فقط، بل في طبيعة السلطة التي لا تستطيع التعايش مع أي مساحة حرة خارج سيطرتها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية