البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“خزائن بن سلمان تنزف” السعودية تغرق في أكبر عجز مالي منذ 2018 بعد سنوات من الهدر والاستعراض

“خزائن بن سلمان تنزف” السعودية تغرق في أكبر عجز مالي منذ 2018 بعد سنوات من الهدر والاستعراض

دخلت المالية السعودية مرحلة أكثر خطورة مع إعلان وزارة المالية تسجيل عجز بلغ 125.7 مليار ريال، في أكبر فجوة مالية تشهدها المملكة منذ عام 2018، في مؤشر جديد على أن النموذج الاقتصادي الذي روّج له محمد بن سلمان باعتباره “مرحلة ما بعد النفط” بدأ يواجه اختبار الانهيار الحقيقي. الأرقام التي كشفتها وكالة بلومبيرغ لا تعكس مجرد تراجع مؤقت في الإيرادات، بل تكشف أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد والإنفاق خلال السنوات الماضية.

العجز الجديد، الذي يعادل نحو 33.5 مليار دولار، جاء بعد فترة قصيرة فقط من تسجيل عجز بلغ 95 مليار ريال في الربع الأخير من 2025، أي أكثر من ضعف الرقم المسجل خلال الفترة نفسها من العام السابق. هذه القفزة الحادة تؤكد أن الضغوط المالية لم تعد استثنائية أو مرتبطة بظرف مؤقت، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد الاقتصادي السعودي.

المفارقة أن هذا التدهور يحدث بعد سنوات من الوعود بأن “رؤية 2030” ستنهي اعتماد المملكة على النفط وتخلق اقتصادًا متنوعًا وقادرًا على تمويل نفسه. لكن الواقع الذي تكشفه الأرقام يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الدولة ما زالت رهينة لتقلبات النفط، بينما تستنزف المشاريع العملاقة وصناديق الترفيه والاستثمارات الدعائية الخزانة العامة بوتيرة غير مسبوقة.

“رؤية 2030 تتحول إلى ماكينة استنزاف”

منذ إطلاق “رؤية 2030” عام 2016، ضخ النظام السعودي مئات المليارات في مشاريع ضخمة قُدمت باعتبارها مستقبل الاقتصاد الجديد. مدن خيالية مثل نيوم، ومشاريع مثل “ذا لاين” و”المكعب”، وصفقات رياضية وترفيهية عالمية، كلها بُنيت على فرضية أن الدولة قادرة على الإنفاق بلا حدود.

لكن مع تراجع أسعار النفط وتزايد التوترات الإقليمية، بدأت الفجوة المالية تتكشف بسرعة. المشاريع التي صُورت كرموز للنهضة أصبحت عبئًا ثقيلًا على الميزانية، خصوصًا مع ضعف العوائد وتأجيل التنفيذ وتقليص الخطط.

التناقض الأكبر أن الحكومة، رغم الحديث عن “الكفاءة” و”ترشيد الإنفاق”، لم تتوقف عن ضخ الأموال في مشاريع عالية المخاطر أو محدودة الجدوى الاقتصادية. مليارات أُنفقت على بطولات رياضية خاسرة مثل “ليف غولف”، وصفقات ترفيه وسينما وألعاب إلكترونية، في وقت ترتفع فيه الديون ويتسع العجز عامًا بعد عام.

هذا النموذج جعل الاقتصاد السعودي يبدو وكأنه يتحرك وفق منطق الاستعراض أكثر من التخطيط المالي المستدام.

“النفط يعود لفضح الوهم”

أحد أهم الشعارات التي رافقت “رؤية 2030” كان تقليل الاعتماد على النفط، لكن العجز الحالي يؤكد أن المملكة لم تنجح فعليًا في كسر هذه التبعية.

حين ارتفعت أسعار النفط في 2021 و2022، بدا وكأن الدولة دخلت مرحلة ازدهار جديدة، ما شجع القيادة على إطلاق موجة إنفاق ضخمة. لكن بمجرد تراجع الأسعار، ظهرت هشاشة النموذج بسرعة.

الاقتصاد السعودي ما زال يعتمد بشكل أساسي على عائدات الطاقة لتمويل الإنفاق الحكومي. أي اضطراب في السوق النفطية ينعكس فورًا على الميزانية، وهذا ما حدث مع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران والتوترات في الخليج، التي رفعت المخاطر وأثرت على حركة الصادرات والطاقة.

العجز الحالي يثبت أن كل الحديث عن “اقتصاد متنوع” لم يغيّر الحقيقة الأساسية: الدولة ما زالت تحتاج النفط لتمويل مشاريعها وسياساتها، وأي انخفاض في الإيرادات يفتح فورًا باب الاقتراض والعجز.

“الديون تتضخم والإنفاق لا يتوقف”

الأزمة لا تتعلق بالعجز وحده، بل بما يعنيه على المدى البعيد. السعودية رفعت مستوى الاقتراض بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حتى اقترب حجم الدين العام من 400 مليار دولار وفق تقديرات وتقارير اقتصادية سابقة.

هذا يعني أن الدولة لم تعد تمول مشاريعها من الفوائض النفطية فقط، بل من الديون أيضًا. ومع استمرار الإنفاق المرتفع، تصبح كلفة خدمة الدين نفسها عبئًا إضافيًا على الميزانية.

الأخطر أن الحكومة لم تُظهر حتى الآن استعدادًا حقيقيًا لتغيير النهج الاقتصادي جذريًا. بدل مراجعة النموذج القائم على المشاريع العملاقة والاستثمارات الدعائية، ما زالت الأولوية تُمنح للصورة الإعلامية والمنافسة الجيوسياسية، حتى لو كان الثمن استنزاف المالية العامة.

النتيجة أن الاقتصاد السعودي دخل حلقة مفرغة: عجز متزايد، اقتراض أكبر، ومشاريع لا تحقق عوائد كافية لتغطية تكلفتها.

 “اقتصاد يعيش على المسكنات”حين تتحول المليارات إلى عجز دائم

ما تكشفه أرقام العجز الجديدة ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل انهيار تدريجي للسردية التي قامت عليها “رؤية 2030”. بعد سنوات من الوعود بالتحول الاقتصادي، تجد المملكة نفسها أمام أكبر عجز منذ سنوات، وواقع يؤكد أن النفط ما زال الحاكم الفعلي للاقتصاد.

المشكلة لم تعد في نقص الموارد فقط، بل في طريقة إدارتها. نظام ينفق المليارات على المدن الخيالية والبطولات الرياضية وصفقات النفوذ، بينما تتسع الفجوة المالية ويتضخم الدين، يكشف أنه لم يبنِ اقتصادًا جديدًا، بل نموذجًا أكثر كلفة وأقل استدامة.

الحقيقة التي يصعب إخفاؤها اليوم أن “رؤية 2030” لم تنهِ الاعتماد على النفط، بل أضافت فوقه طبقة هائلة من الالتزامات والإنفاق الاستعراضي. ومع كل عجز جديد، تتضح الصورة أكثر: الاقتصاد السعودي لا يتحرك نحو المستقبل، بل يحاول تأجيل لحظة الاصطدام الكبرى عبر المزيد من الاقتراض والإنفاق، في معركة تبدو خاسرة أمام الأرقام والواقع.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية