البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“عبودية بواجهة حديثة” الأمم المتحدة تفضح نظام الكفالة السعودي رغم دعاية الإصلاح والانفتاح

“عبودية بواجهة حديثة” الأمم المتحدة تفضح نظام الكفالة السعودي رغم دعاية الإصلاح والانفتاح

بن سلمان
بن سلمان

بينما ينفق نظام محمد بن سلمان مئات المليارات على الترفيه والرياضة واستضافة كأس العالم 2034 لتسويق صورة “السعودية الجديدة”، تعود الحقيقة الحقوقية لتطارد هذه الدعاية من جديد. بيان خبراء الأمم المتحدة الأخير لم يكن مجرد انتقاد عابر، بل إدانة مباشرة لنظام الكفالة الذي لا يزال يحكم حياة ملايين العمال المهاجرين في المملكة، رغم سنوات من الوعود الرسمية بالإصلاح.

الرسالة الأممية جاءت صريحة: السعودية لم تُنهِ نظام الكفالة فعليًا، بل أعادت تغليفه إداريًا مع الإبقاء على جوهره القائم على السيطرة والاستغلال. وهذا يعني أن النظام الذي يحاول تقديم نفسه كقوة اقتصادية عالمية حديثة ما زال يعتمد، في أحد أهم قطاعات اقتصاده، على بنية عمل يصفها حقوقيون بأنها أقرب إلى “العبودية المعاصرة”.

البيان المشترك الصادر عن خبراء الأمم المتحدة، ومن بينهم تومويا أوبوكاتا وجهاد ماضي وشيفون مولالي، كشف أن الانتهاكات ضد العمالة المهاجرة لا تزال واسعة النطاق، رغم مرور خمس سنوات على إطلاق ما سُمّي “إصلاحات سوق العمل”.

“16 مليون عامل تحت السيطرة” الكفالة لم تسقط بل تغيّر اسمها

منذ إعلان “مبادرة إصلاح سوق العمل” في 2021، حاولت السلطات السعودية الترويج لفكرة أن نظام الكفالة أصبح من الماضي. لكن الوقائع التي وثقها خبراء الأمم المتحدة تكشف شيئًا مختلفًا تمامًا.

العمال المهاجرون، الذين يُقدّر عددهم بنحو 16 مليون شخص، ما زالوا يواجهون نفس البنية القمعية تقريبًا: مصادرة جوازات السفر، تأخير أو سرقة الأجور، فرض رسوم توظيف باهظة، ومنع تغيير الوظيفة أو مغادرة البلاد بحرية.

هذا يعني أن العلاقة بين العامل وصاحب العمل ما زالت قائمة على التبعية المطلقة، حيث يمتلك الكفيل أدوات ضغط هائلة تجعل العامل أسيرًا فعليًا داخل منظومة العمل.

الأخطر أن بعض أصحاب العمل يستخدمون البلاغات الجنائية وقيود السفر كوسيلة للابتزاز والسيطرة، خصوصًا عندما يحاول العمال الهروب من ظروف قاسية أو المطالبة بحقوقهم.

النظام السعودي حاول تسويق التعديلات القانونية باعتبارها “إصلاحًا تاريخيًا”، لكن الحقيقة أن هذه التغييرات لم تمس جوهر العلاقة المختلة بين العامل والكفيل، بل أبقت على الهيمنة نفسها بأدوات أكثر تجميلًا.

العمال يموتون بصمت” غياب المحاسبة يكشف طبيعة المنظومة

واحدة من أخطر النقاط التي أشار إليها الخبراء الأمميون تتعلق بالوفيات الغامضة للعمال المهاجرين. كثير من الحالات تُغلق دون تحقيقات شفافة أو مساءلة حقيقية، بينما تجد عائلات الضحايا نفسها عاجزة عن الوصول إلى المعلومات أو المطالبة بالتعويض.

هذا الواقع يكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بانتهاكات فردية، بل بمنظومة كاملة تفتقر إلى الرقابة والمحاسبة. العامل الأجنبي، خصوصًا القادم من دول فقيرة، يجد نفسه في بيئة قانونية واجتماعية تجعله الحلقة الأضعف دائمًا.

الخوف من الانتقام أو الترحيل يمنع كثيرين من تقديم الشكاوى، بينما تعقيد الإجراءات وغياب الدعم القانوني يحول الوصول إلى العدالة إلى معركة شبه مستحيلة.

النتيجة أن الانتهاكات تستمر لأن الكلفة على المتورطين فيها تبقى منخفضة. لا توجد شفافية حقيقية، ولا رقابة مستقلة، ولا بيئة تسمح للعمال بالمطالبة بحقوقهم دون خوف.

كأس العالم فوق أجساد العمال” الترفيه العالمي يخفي الأزمة الحقوقية

التوقيت الذي صدر فيه البيان الأممي يحمل دلالة خطيرة. السعودية تسارع اليوم إلى تقديم نفسها كمركز عالمي للاستثمار والسياحة والثقافة، خصوصًا بعد الفوز باستضافة كأس العالم 2034.

لكن خلف مشاريع الملاعب والمدن الذكية والفعاليات العالمية، توجد قوة عمل مهاجرة ضخمة تعمل في ظروف يصفها خبراء الأمم المتحدة بأنها ما تزال خاضعة للاستغلال المنهجي.

هذا التناقض يكشف جوهر النموذج الذي يحاول النظام بناءه: واجهة عالمية حديثة تعتمد في الخلفية على عمالة منخفضة الحقوق، محدودة الحماية، وسهلة السيطرة.

العاملات المنزليات تحديدًا يمثلن الوجه الأكثر قسوة لهذه الأزمة. البيان الأممي أشار إلى أنهن ما زلن ضمن أكثر الفئات تعرضًا للعمل القسري والعنف الجسدي والجنسي والاتجار بالبشر، في ظل استثنائهن من كثير من الحمايات القانونية الأساسية.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: دولة تريد أن تستضيف العالم في بطولات ومهرجانات فاخرة، لكنها لم تستطع حتى الآن بناء منظومة عمل تحترم الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية لملايين العمال الذين يشيدون هذه المشاريع.

 “إصلاحات على الورق” حين يتحول العامل إلى وقود لمشاريع السلطة

ما كشفه خبراء الأمم المتحدة لا يتعلق فقط بسوق العمل، بل بطبيعة النموذج الذي يحكم السعودية اليوم. النظام يتحدث عن الحداثة والانفتاح والاستثمار، لكنه في العمق ما زال يعتمد على أدوات قديمة تقوم على السيطرة والقمع وغياب المحاسبة.

الحقيقة التي يصعب إخفاؤها أن “إصلاحات الكفالة” كانت في جانب كبير منها حملة علاقات عامة أكثر من كونها تحولًا حقيقيًا. فلو كان النظام جادًا في إنهاء هذه المنظومة، لما استمرت نفس الانتهاكات بعد خمس سنوات من الوعود.

وفي الوقت الذي تُنفق فيه المليارات لتلميع صورة المملكة عالميًا، يبقى ملايين العمال المهاجرين يعيشون تحت نظام يجعل حقوقهم معلقة بإرادة الكفيل، لا بالقانون.

المشكلة لم تعد في التقارير الحقوقية أو الانتقادات الدولية، بل في التناقض الصارخ بين صورة تريد السلطة تصديرها للعالم، وواقع يكشف أن “السعودية الجديدة” ما زالت تُبنى فوق منظومة استغلال قديمة، تُدار بصمت خلف الأبراج والملاعب والمشاريع العملاقة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية