البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
ترامب يهرب والرياض تُترك وحدها تحت النار

ترامب يهرب والرياض تُترك وحدها تحت النار

بن سلمان
بن سلمان

كيف اكتشف نظام بن سلمان أن التحالف الأمريكي لا يحمي أحدًا عندما تبدأ الحرب الحقيقية؟

لم تحتج السعودية إلى سنوات إضافية كي تدرك أن التحالف مع واشنطن ليس ضمانة أمنية مطلقة، بل صفقة مؤقتة تُدار بمنطق المصالح الأمريكية البحتة. التسريبات التي كشفتها شبكة NBC حول غضب الرياض من “مشروع الحرية” الأمريكي في مضيق هرمز، والخشية السعودية من الانتقام الإيراني، كشفت حجم المأزق الذي وجد نظام محمد بن سلمان نفسه داخله: دولة دفعت مئات المليارات لعقود من أجل الحماية الأمريكية، ثم اكتشفت في لحظة التصعيد أن واشنطن قد تشعل المواجهة وتترك الخليج يواجه الصواريخ وحده.

المعلومات المسرّبة أخطر بكثير من مجرد خلاف دبلوماسي عابر. الولايات المتحدة، بحسب المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، أبلغت حلفاء الخليج أنها على الأرجح لن ترد إذا تعرضت البنية التحتية الخليجية لهجمات إيرانية مرتبطة بالعملية الأمريكية في هرمز. هذه ليست مجرد رسالة سياسية، بل إعلان صريح بأن أمن الخليج لم يعد أولوية أمريكية عندما تصبح الكلفة مرتفعة.

الأخطر أن الرياض، التي حاولت طوال السنوات الماضية تقديم نفسها باعتبارها الحليف الأقرب لواشنطن في المنطقة، وجدت نفسها مضطرة لرفض استخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية والأجواء السعودية لدعم العملية الأمريكية، خوفًا من أن تتحول أراضيها إلى بنك أهداف مباشر لإيران.

ما تكشفه هذه الأزمة أن النظام السعودي لم يعد يثق حتى بالحليف الذي بنى استراتيجيته الأمنية كاملة عليه. وهذه ليست أزمة عسكرية فقط، بل انهيار تدريجي لفكرة “المظلة الأمريكية” التي شكلت أساس السياسة السعودية لعقود.

الحماية مقابل الابتزاز واشنطن تشعل الخليج ثم تتراجع

التفاصيل التي خرجت من واشنطن تكشف مشهدًا أقرب إلى الفوضى الاستراتيجية. إدارة ترامب أطلقت العملية البحرية في مضيق هرمز دون تنسيق فعلي مع الحلفاء الخليجيين، ثم أمضت 36 ساعة في الترويج الإعلامي لها قبل أن توقفها بشكل مفاجئ.

هذا السلوك عكس حجم التخبط داخل الإدارة الأمريكية نفسها، لكنه كشف أيضًا الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى الخليج: ساحة عمليات يمكن استخدامها للمغامرات العسكرية دون ضمان حماية حلفائها من النتائج.

السعودية فهمت الرسالة بسرعة. أي تصعيد أمريكي ضد إيران سيعني تلقائيًا أن المنشآت النفطية السعودية، وخطوط الأنابيب، والموانئ، والمطارات، ستتحول إلى أهداف مباشرة. لكن عندما طلب الخليجيون ضمانات أمريكية واضحة للرد على أي هجوم إيراني، جاء الجواب الصادم: الأولوية هي الاتفاق السياسي مع طهران، وليس حماية البنية التحتية الخليجية.

هذا التطور يعيد للأذهان هجوم أرامكو في سبتمبر 2019، عندما تعرضت منشآت النفط السعودية لضربات غير مسبوقة، بينما اكتفت واشنطن بالتصريحات. منذ تلك اللحظة بدأت الرياض تدرك أن الحليف الأمريكي مستعد لبيع الأسلحة بمئات المليارات، لكنه ليس مستعدًا لخوض حرب مفتوحة دفاعًا عن النظام السعودي.

دولة نفطية تحت الحصار الجغرافي” لماذا تخشى الرياض الحرب أكثر من غيرها؟

صحيح أن السعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب الذي يسمح بتجاوز مضيق هرمز، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الاقتصاد السعودي ما زال هشًا أمام أي تصعيد إقليمي واسع.

الرياض تدرك أن أي مواجهة طويلة في الخليج ستعني ارتفاع تكاليف التأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وانخفاض ثقة المستثمرين، وتراجع المشاريع العملاقة التي تقوم عليها دعاية “رؤية 2030”.

لهذا السبب تحديدًا بدت السعودية أكثر قلقًا من العملية الأمريكية مقارنة بخطابها الإعلامي العلني. فالنظام الذي أنفق مئات المليارات على مشاريع ترفيهية ومدن مستقبلية يدرك أن صاروخًا واحدًا على منشأة حيوية قد ينسف سنوات من الدعاية الاستثمارية.

الحرب الأخيرة كشفت أيضًا هشاشة المعادلة الأمنية السعودية. فالدولة التي تمتلك أحد أعلى معدلات الإنفاق العسكري عالميًا ما زالت تخشى من مواجهة مباشرة طويلة، لأن المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في طبيعة الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية.

وهذا ما يفسر تمسك الرياض بخطاب “خفض التصعيد” و”الحلول الدبلوماسية”، ليس من موقع القوة، بل من موقع الخشية من الانكشاف الكامل إذا خرجت الأمور عن السيطرة.

تحالفات بلا ثقة” الخليج يكتشف حدود القوة الأمريكية

الأزمة لم تقتصر على السعودية فقط. التسريبات تحدثت أيضًا عن رفض كويتي لاستخدام القواعد والمجال الجوي لدعم العملية الأمريكية، ما يعكس حالة قلق خليجية جماعية من التورط في حرب لا تملك هذه الدول السيطرة عليها.

هذه التطورات تكشف تحولًا مهمًا داخل الخليج: الحلفاء التقليديون لواشنطن لم يعودوا يثقون بأن الولايات المتحدة ستتحمل كلفة المواجهة إذا انفجرت المنطقة.

الولايات المتحدة تريد من الخليج أن يبقى منصة عسكرية ولوجستية، لكنها في المقابل لا تقدم ضمانات حقيقية للحماية. هذا التناقض أصبح أكثر وضوحًا بعد عودة ترامب، الذي يتعامل مع التحالفات بعقلية تجارية مباشرة: على الحلفاء الدفع، لكن دون التزام أمريكي كامل بالدفاع عنهم.

وهنا يظهر المأزق السعودي الحقيقي. النظام بنى سياساته الأمنية والاقتصادية على فرضية الاستقرار الأمريكي في المنطقة، لكن الواقع الجديد يقول إن واشنطن نفسها لم تعد تريد الانخراط الكامل في حروب الشرق الأوسط.

لهذا تبدو الرياض اليوم عالقة بين خيارين كلاهما مكلف: إما الاستمرار في الارتهان للتحالف الأمريكي رغم هشاشته، أو محاولة بناء توازنات جديدة مع قوى مثل الصين وروسيا، وهي خيارات لا توفر أيضًا مظلة أمنية حقيقية.

السعودية التي أنفقت المليارات على النفوذ والسلاح تكتشف أن الحرب لا تُدار بالصفقات

ما كشفته أزمة مضيق هرمز ليس مجرد خلاف تكتيكي بين الرياض وواشنطن، بل حقيقة أعمق بكثير: النظام السعودي الذي قدّم نفسه كقوة إقليمية مستقرة يعيش اليوم تحت هاجس الانكشاف الأمني الكامل.

الحرب الأخيرة أثبتت أن مليارات السلاح لا تمنح الطمأنينة، وأن التحالفات التي تُبنى على المصالح المؤقتة يمكن أن تنهار عند أول اختبار جدي. واشنطن أرادت استخدام الخليج في مواجهة إيران، لكنها لم تكن مستعدة لحماية الخليج من نتائج تلك المواجهة.

أما الرياض، فوجدت نفسها مضطرة لإغلاق أجوائها أمام الحليف الأمريكي خوفًا من الرد الإيراني، في مشهد يلخص حجم التناقض داخل السياسة السعودية الحالية: دولة تنفق على النفوذ العسكري، لكنها تخشى أن تصبح جزءًا من الحرب التي ساهمت التحالفات نفسها في صناعتها.

الحقيقة التي ظهرت بوضوح أن الخليج لم يعد يشعر بالأمان حتى داخل التحالف الأمريكي نفسه، وأن نظام بن سلمان، رغم كل الدعاية عن القوة والنفوذ، ما زال يتحرك بمنطق القلق والخشية من لحظة قد يجد فيها نفسه وحيدًا تحت النار.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية