لم يعد الرفض العالمي لسياسات محمد بن سلمان محصورًا في الملفات السياسية وحقوق الإنسان، بل بدأ يمتد إلى قطاع الترفيه والألعاب الإلكترونية، أحد المجالات التي ضخ فيها النظام السعودي عشرات المليارات في محاولة لشراء النفوذ وتلميع الصورة الدولية. الاحتجاجات التي كشفت عنها منصة GameSpot أمام مقر شركة Electronic Arts في كاليفورنيا ضد صفقة الاستحواذ السعودية المحتملة بقيمة 55 مليار دولار، تمثل ضربة جديدة لصورة “السعودية الجديدة” التي يحاول النظام تسويقها عبر المال والاستحواذات الضخمة.
الحدث لم يكن مجرد وقفة رمزية. المنظمون أعلنوا نيتهم عرض لافتة بطول 50 قدمًا تحمل أكثر من 79 ألف توقيع رافض للصفقة، مع بث كامل للاحتجاجات، في رسالة واضحة مفادها أن محاولة شراء أكبر شركات الألعاب في العالم بأموال صندوق الاستثمارات العامة لن تمر بهدوء.
هذه التطورات تكشف أن استراتيجية النظام القائمة على اقتحام قطاعات الترفيه والرياضة والألعاب الإلكترونية لم تعد تُقابل فقط بالانتقادات الحقوقية التقليدية، بل بدأت تواجه مقاومة جماهيرية مباشرة داخل الغرب نفسه، خصوصًا من المجتمعات الرقمية والشبابية التي يدرك النظام السعودي أهميتها في معركة الصورة والنفوذ.
“شراء السمعة عبر الألعاب” لماذا يريد بن سلمان السيطرة على EA؟
منذ سنوات، يحاول محمد بن سلمان تحويل السعودية إلى لاعب عالمي في صناعة الألعاب الإلكترونية. صندوق الاستثمارات العامة اشترى حصصًا ضخمة في شركات ألعاب عالمية، وضخ مليارات الدولارات في البطولات الإلكترونية والاستوديوهات والمنصات الرقمية.
الهدف لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسي وإعلامي أيضًا. النظام يدرك أن صناعة الألعاب أصبحت واحدة من أكثر الصناعات تأثيرًا على الشباب عالميًا، وبالتالي فإن السيطرة على شركات ضخمة مثل EA تمنح السعودية نفوذًا ثقافيًا هائلًا يتجاوز حدود النفط والسياسة التقليدية.
لكن هذه الاستراتيجية تكشف أيضًا حجم التناقض داخل المشروع السعودي. النظام الذي يقمع حرية التعبير ويعتقل الناشطين الرقميين ويحاصر الإعلام المستقل، يحاول في الوقت نفسه تقديم نفسه كراعٍ لصناعة قائمة أساسًا على الإبداع والانفتاح والثقافة الرقمية العالمية.
وهذا التناقض تحديدًا هو ما بدأ يثير ردود فعل متزايدة داخل الغرب، خصوصًا بين العاملين واللاعبين والنشطاء في قطاع الألعاب
“الغسيل الإلكتروني يفشل” الاحتجاجات تكسر دعاية الانفتاح
الاحتجاجات أمام مقر EA ليست مجرد اعتراض على صفقة مالية، بل رفض واضح لاستخدام أموال الدولة السعودية لتوسيع النفوذ داخل صناعة الترفيه العالمية.
خلال السنوات الماضية، استخدم النظام السعودي الرياضة والسينما والألعاب الإلكترونية كأدوات لـ“الغسيل السياسي”، عبر ضخ الأموال في قطاعات جماهيرية لتخفيف أثر الانتقادات المتعلقة بالقمع والحريات وحقوق الإنسان.
لكن ما يحدث الآن يشير إلى أن هذا النموذج بدأ يواجه حدودًا حقيقية. فكلما توسع النظام في شراء النفوذ داخل الغرب، تزداد أيضًا حملات التذكير بسجله الحقوقي وقضايا مثل مقتل جمال خاشقجي وقمع الناشطين والمعتقلين.
الأزمة بالنسبة للنظام أن قطاع الألعاب تحديدًا يضم جمهورًا شابًا شديد الحساسية تجاه القضايا السياسية والحقوقية، ويملك قدرة كبيرة على التعبئة الرقمية والتنظيم عبر الإنترنت.
لذلك، فإن مشهد آلاف التوقيعات الرافضة للصفقة لا يمثل مجرد حدث إعلامي، بل مؤشرًا على أن محاولات “شراء القبول” لم تعد مضمونة كما كانت تتصور الرياض.
“55 مليار للهروب من الواقع” اقتصاد مأزوم يمول صفقات ترفيهية خيالية
التوقيت الذي تظهر فيه هذه الصفقة يضيف بعدًا أكثر إثارة للجدل. السعودية تعاني حاليًا من أكبر عجز مالي منذ سنوات، والديون تتضخم، والمشاريع العملاقة تتعثر، بينما تستمر الدولة في البحث عن صفقات ترفيهية واستحواذات بمليارات الدولارات.
فكرة إنفاق 55 مليار دولار على شركة ألعاب تأتي بينما تعاني الميزانية من ضغوط هائلة تكشف حجم الانفصال بين أولويات السلطة والواقع الاقتصادي.
تقارير دولية عديدة تحدثت عن تراجع السيولة داخل صندوق الاستثمارات العامة، وعن اضطرار الحكومة إلى الاقتراض المكثف لتمويل مشاريع “رؤية 2030”. ومع ذلك، ما زالت الأولوية تُمنح للاستحواذات الضخمة التي تخدم صورة النظام ونفوذه الناعم.
هذا يعكس عقلية سياسية ترى في الترفيه والألعاب الإلكترونية وسيلة للهروب من الأزمات الداخلية، بدل معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية.
المفارقة أن محمد بن سلمان نفسه سبق أن تحدث عن الألعاب باعتبارها وسيلة “للهروب من الواقع”، لكن يبدو أن هذه الفكرة تحولت إلى سياسة دولة كاملة، تُنفق فيها المليارات على العوالم الافتراضية بينما يزداد الواقع المالي هشاشة.
“العالم لا يُشترى بالكامل”حين تتحول المليارات إلى عبء سياسي
ما تكشفه احتجاجات كاليفورنيا ضد صفقة EA أن المال السعودي، رغم ضخامته، لم يعد قادرًا على شراء القبول العالمي بسهولة. النظام الذي حاول استخدام الرياضة والترفيه والألعاب الإلكترونية لإعادة صياغة صورته، يواجه اليوم مقاومة متزايدة من داخل هذه القطاعات نفسها.
الحقيقة التي بدأت تتضح أن الاستحواذات الضخمة لا تمحو الأسئلة السياسية والحقوقية، بل أحيانًا تجعلها أكثر حضورًا. وكلما حاول النظام التوسع داخل الصناعات الثقافية العالمية، كلما ازدادت حملات التذكير بما يحاول إخفاءه خلف المال والفعاليات والاستثمارات.
وفي النهاية، قد ينجح صندوق الاستثمارات العامة في شراء شركات وأسهم وبطولات، لكنه يكتشف تدريجيًا أن السمعة لا تُشترى بنفس الطريقة، وأن العالم الرقمي الذي يسعى للسيطرة عليه قادر أيضًا على تحويل المليارات السعودية إلى مادة احتجاج وسخرية ومواجهة مفتوحة.





