لم تعد أزمة البطالة في السعودية مجرد تحدٍّ اقتصادي أو خلل في سوق العمل، بل تحولت تدريجيًا إلى ملف أمني وسياسي بالغ الحساسية بالنسبة لنظام محمد بن سلمان. فبدل أن تواجه الحكومة جذور الأزمة المتفاقمة الناتجة عن فشل مشاريع التنويع الاقتصادي واستنزاف الموارد في المشاريع الدعائية والترفيهية، اختارت السلطة طريقًا آخر: قمع الأصوات الغاضبة، وملاحقة الشباب الذين يتحدثون عن البطالة أو ينتقدون هيمنة الأجانب على الوظائف الحساسة داخل المشاريع الحكومية العملاقة.
استدعاء عشرات المواطنين بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يكشف حجم القلق داخل السلطة السعودية من تصاعد الاحتقان الاجتماعي، خصوصًا في ظل التباطؤ الاقتصادي، وتأجيل المشاريع، واتساع العجز المالي، والتوترات الإقليمية التي زادت من هشاشة الاقتصاد السعودي. فالدولة التي وعدت الشباب بفرص عمل غير مسبوقة عبر “رؤية 2030”، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف تمامًا: آلاف الباحثين عن الوظائف، وشكاوى متزايدة من تفضيل الأجانب في المناصب العليا، وموجة غضب إلكترونية لم تعد السلطة قادرة على احتوائها بالدعاية التقليدية.
الأخطر أن النظام لم يعد يتعامل مع هذه الشكاوى باعتبارها مطالب اجتماعية مشروعة، بل باعتبارها تهديدًا سياسيًا يجب إسكاته بسرعة قبل أن يتحول إلى موجة احتجاج أوسع. وهكذا تصبح البطالة “جريمة رقمية”، ويصبح الحديث عن سوء التوظيف أو غلاء المعيشة أو تهميش السعوديين ملفًا أمنيًا يخضع للتحقيق والاستدعاء والملاحقة.
رؤية 2030” تصنع الوظائف للأجانب والسعوديون يدفعون الثمن
واحدة من أكبر المفارقات التي كشفتها الأزمة الأخيرة أن المشاريع العملاقة التي جرى تسويقها باعتبارها بوابة لتوظيف السعوديين وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، تحولت في نظر كثير من المواطنين إلى رمز للإقصاء والتهميش المهني. فالمشاريع المرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة، مثل القدية ونيوم وغيرها، امتلأت بمستشارين ومديرين أجانب يحصلون على رواتب ومناصب ضخمة، بينما يواجه آلاف السعوديين صعوبة في إيجاد وظائف مستقرة تتناسب مع مؤهلاتهم.
الغضب الذي انفجر على مواقع التواصل لم يكن ناتجًا فقط عن وجود أجانب في سوق العمل، بل عن شعور متزايد بأن النظام الاقتصادي الجديد يخدم طبقة من المديرين والخبراء الأجانب أكثر مما يخدم أبناء البلد أنفسهم. فعندما يرى الشباب السعودي أشخاصًا قادمين من خلفيات بعيدة تمامًا عن القطاعات التي يديرونها يحصلون على مواقع قيادية داخل مشاريع بمليارات الدولارات، يصبح السؤال مشروعًا: أين ذهبت وعود التمكين والتوطين؟
المشكلة أن السلطة السعودية حاولت معالجة هذا الغضب عبر القمع بدل المراجعة. فبدل التحقيق في شكاوى التوظيف أو مراجعة آليات الاختيار داخل المشاريع الحكومية، جرى استدعاء المنتقدين أنفسهم واتهامهم بالإضرار بالمصلحة العامة أو إثارة الرأي العام.
وهذا يكشف أزمة أعمق داخل النموذج الاقتصادي السعودي الحالي. لأن “رؤية 2030” قامت أساسًا على وعود بخلق فرص عمل واسعة للسعوديين وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. لكن ما يحدث اليوم يوحي بأن المشاريع الضخمة خلقت طبقة بيروقراطية واستشارية أجنبية ضخمة، بينما بقي المواطن السعودي يواجه البطالة وارتفاع تكاليف الحياة والضرائب والرسوم المتزايدة.
السلطة تدرك جيدًا خطورة هذا الشعور الشعبي، لأن البطالة ليست مجرد رقم اقتصادي، بل عامل قابل للتحول إلى غضب سياسي واجتماعي واسع، خصوصًا لدى جيل شاب تم وعده بمستقبل مختلف تمامًا عما يراه اليوم على أرض الواقع.
حين يصبح الحديث عن المعيشة “تهديدًا للأمن الوطني”
اللافت في تعامل السلطات السعودية مع الأزمة أنها لم تكتفِ بملاحقة الأصوات الغاضبة، بل أعادت استخدام مفاهيم فضفاضة مثل “الإخلال بالنظام العام” و”تهديد الأمن الوطني” لتجريم النقاشات المرتبطة بالبطالة والوظائف والمعيشة.
هذا التحول يكشف كيف بات النظام السعودي يرى أي نقاش اقتصادي مستقل باعتباره خطرًا سياسيًا مباشرًا. فالمشكلة لم تعد في المنشورات نفسها، بل في قدرة هذه النقاشات على كسر الصورة الرسمية التي تحاول الدولة تصديرها عن “السعودية المزدهرة” و”التحول الناجح”.
الواقع أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المساحة الوحيدة تقريبًا التي يستطيع السعوديون التعبير فيها عن غضبهم من الأوضاع الاقتصادية. ومع تراجع الثقة في الإعلام الرسمي، باتت هذه المنصات تعكس بصورة أوضح حجم التناقض بين الخطاب الحكومي والواقع المعيشي.
لكن بدل الاستماع لهذه المخاوف، اختارت الدولة تكثيف الرقابة والترهيب. فكل موجة انتقاد اقتصادي تقابلها حملات استدعاء وتحذير، وكأن المطلوب من المواطنين ليس فقط تحمل الأزمة، بل أيضًا الصمت الكامل عنها.
وهذا النهج يحمل مخاطر كبيرة على المدى البعيد. لأن قمع النقاشات الاقتصادية لا يعالج البطالة، ولا يخفض الأسعار، ولا يخلق فرص عمل. بل يؤدي فقط إلى تراكم الاحتقان داخل المجتمع بصورة أكثر خطورة.
المفارقة أن الحكومة نفسها تدرك هشاشة الوضع الاقتصادي الحالي. فالحرب الإقليمية، والعجز المالي، وتأجيل المشاريع، وتراجع السيولة، كلها عوامل تجعل مستقبل سوق العمل أكثر غموضًا. ولهذا تبدو السلطة شديدة الحساسية تجاه أي خطاب قد يعزز شعور الناس بأن “الفرص الموعودة” بدأت تتبخر.
اقتصاد مأزوم ودعاية متصدعة لماذا يخشى النظام غضب الشباب؟
السبب الحقيقي وراء هذا التصعيد الأمني لا يتعلق فقط بمنشورات إلكترونية أو انتقادات عابرة، بل بالخوف من اتساع الفجوة بين وعود السلطة والواقع الذي يعيشه السعوديون.
فالنظام أنفق مئات المليارات على مشاريع عملاقة ومدن مستقبلية وصفقات ترفيه ورياضة واستثمارات خارجية، لكنه لم ينجح في بناء اقتصاد قادر على امتصاص القلق الاجتماعي المتزايد. وحتى الأرقام الرسمية للبطالة بات كثير من السعوديين يشككون فيها، لأن تجربتهم اليومية لا تعكس الصورة الوردية التي تُعرض في المؤتمرات والإعلانات الحكومية.
المشكلة الأكبر أن الحرب الإقليمية الأخيرة زادت من هشاشة الوضع المالي والاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى تأجيل أو تقليص بعض المشاريع، وهو ما انعكس مباشرة على فرص العمل والاستثمارات والإنفاق الحكومي.
وفي ظل هذا الواقع، أصبحت السلطة تخشى أن تتحول البطالة إلى عنوان سياسي جامع لغضب أوسع يشمل الضرائب وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات واتساع الفجوة الاجتماعية.
ولهذا لم تعد الدولة تكتفي بإدارة الاقتصاد، بل باتت تدير أيضًا “المشاعر العامة” بالقوة والرقابة والتخويف، في محاولة لمنع أي سردية بديلة عن الرواية الرسمية.
لكن المشكلة أن القمع لا يستطيع إلغاء الأزمة نفسها. فكلما اتسعت الفجوة بين حياة الناس اليومية وخطاب “النجاح التاريخي”، تصبح السيطرة الإعلامية أكثر صعوبة، ويصبح الغضب أكثر قابلية للانفجار.
السعودية الجديدة دولة تخشى حتى الكلام عن البطالة
ما تكشفه حملة الاستدعاءات الأخيرة أخطر بكثير من مجرد تضييق على حرية التعبير. إنها تعكس نظامًا بات يرى في الحديث عن البطالة والمعيشة تهديدًا سياسيًا يستحق القمع، لأن هذه الملفات تضرب مباشرة جوهر الرواية التي بُني عليها مشروع محمد بن سلمان.
فبعد سنوات من الترويج لـ”السعودية الجديدة”، يجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف: وظائف أقل استقرارًا، تكاليف معيشة أعلى، ضرائب متزايدة، ومشاريع عملاقة لا يشعر بأنها تنتمي إلى حياته اليومية.
وفي النهاية، قد تستطيع السلطة إسكات بعض الحسابات أو حذف بعض المنشورات، لكنها لن تستطيع إخفاء الحقيقة الأساسية: أن الأزمة لم تعد أزمة تغريدات، بل أزمة نموذج اقتصادي كامل بدأ يفقد قدرته على إقناع الناس بأنه يعمل لصالحهم.
وحين تصل دولة إلى مرحلة تعتبر فيها الشكوى من البطالة “تهديدًا للأمن الوطني”، فذلك لا يكشف قوة النظام، بل يكشف حجم القلق الذي يعيشه من الداخل.






