ما كان يُقدَّم قبل سنوات باعتباره المشروع الرياضي الأكثر طموحًا في تاريخ السعودية يتحول اليوم إلى واحد من أكثر المشاريع إثارة للأسئلة حول جدواه الاقتصادية. فالتطورات الأخيرة المرتبطة بدوري “ليف غولف” تكشف أن المسابقة التي أُنفق عليها أكثر من خمسة مليارات دولار لم تعد تحظى حتى بالدعم الكامل من الجهة التي أنشأتها ومولتها منذ البداية.
فبعد سنوات من الإنفاق المفتوح والعقود الخيالية والجوائز الضخمة وحملات الترويج العالمية، يجد الدوري نفسه مضطرًا للبحث عن مستثمرين جدد لإنقاذ مستقبله، بينما يتراجع التمويل السعودي بصورة واضحة، ويغادر ياسر الرميان موقعه القيادي في المشروع الذي ارتبط اسمه به منذ انطلاقته.
المفارقة أن الأزمة الحالية لا تبدو نتيجة حدث مفاجئ أو ظرف استثنائي، بل تمثل النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الخسائر المالية والعجز عن بناء نموذج اقتصادي قادر على الاستمرار دون الاعتماد الكامل على أموال صندوق الاستثمارات العامة.
لقد أُطلقت “ليف غولف” بوصفها ثورة في عالم الغولف العالمي، لكنها بعد سنوات من الإنفاق الضخم ما زالت عاجزة عن تحقيق الاستقلال المالي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لمشروع استنزف مليارات الدولارات أن يجد نفسه اليوم عاجزًا عن تأمين بضع مئات من الملايين لإكمال نشاطه؟
“خمسة مليارات دولار ومشروع لم يتعلم الوقوف على قدميه“
منذ اللحظة الأولى، اعتمد دوري ليف غولف على فكرة بسيطة: استخدام القوة المالية السعودية لاجتذاب أكبر نجوم اللعبة وكسر احتكار البطولات التقليدية.
وبالفعل، تدفقت الأموال بشكل غير مسبوق. عقود بمئات الملايين، وجوائز مالية ضخمة، وحملات دعائية عالمية، واستقطاب أسماء كانت تُعتبر من أكبر نجوم الغولف في العالم.
لكن رغم كل ذلك، بقي السؤال الاقتصادي معلقًا دون إجابة.
فالجماهير لم تتدفق كما كان متوقعًا، وعوائد البث لم تصل إلى المستويات المأمولة، والرعاة التجاريون لم يندفعوا بالشكل الذي يسمح ببناء نموذج ربحي مستدام.
وبدل أن يتحول الدوري إلى مشروع قادر على تمويل نفسه، بقي معتمدًا بالكامل تقريبًا على الأموال السعودية.
وكان من الممكن التغاضي عن ذلك في السنوات الأولى باعتبارها مرحلة تأسيس، لكن استمرار النزيف المالي بعد سنوات من التشغيل كشف أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد صعوبات البداية.
فالدوري لم يفشل في تحقيق الأرباح فقط، بل فشل حتى في بناء قاعدة مالية مستقلة عن مموله الوحيد.
“الرميان يغادر والسفينة تبحث عن ممول جديد“
عادة لا تحمل الاستقالات والتغييرات القيادية دلالات كبيرة في المشاريع الناجحة، لكنها تبدو مختلفة تمامًا عندما تأتي في ذروة أزمة مالية.
فخروج ياسر الرميان من رئاسة الدوري يتزامن مع تقارير عن تراجع التمويل والبحث عن مستثمرين جدد، وهو ما يعطي انطباعًا بأن المشروع دخل مرحلة مختلفة تمامًا عن تلك التي رافقت إطلاقه.
الأخطر أن الدوري الذي وُلد بأموال صندوق الاستثمارات العامة يجد نفسه الآن مطالبًا بإقناع مستثمرين آخرين بضخ مئات الملايين من الدولارات في مشروع لم يتمكن طوال سنوات من إثبات قدرته على تحقيق عائد اقتصادي حقيقي.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية.
فالمستثمر العادي لا ينظر إلى حجم الضجيج الإعلامي أو قيمة الجوائز أو أسماء اللاعبين فقط، بل ينظر إلى الإيرادات والأرباح والاستدامة المالية.
وعندما تكون النتيجة بعد أكثر من خمسة مليارات دولار من الإنفاق هي الحاجة إلى جمع 350 مليون دولار إضافية للبقاء، فإن ذلك لا يُعد رسالة طمأنة للمستثمرين المحتملين.
بل قد يكون دليلًا على أن المشروع لم ينجح حتى الآن في إثبات صلاحيته كنشاط اقتصادي مستقل.
“عصر الشيكات المفتوحة يقترب من نهايته“
ما يحدث في ليف غولف لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع داخل صندوق الاستثمارات العامة نفسه.
فالصندوق الذي كان خلال السنوات الماضية رمزًا للإنفاق الضخم والاستثمارات الجريئة بدأ يرسل إشارات متزايدة على أن مرحلة المراجعة وإعادة ترتيب الأولويات قد بدأت بالفعل.
مشاريع عديدة داخل المملكة وخارجها تخضع لإعادة تقييم، وخطط إنفاق يجري تقليصها، ومبادرات كانت تُعتبر محصنة من المراجعة أصبحت اليوم موضع تساؤل.
وفي هذا السياق تبدو ليف غولف واحدة من أوضح الأمثلة على المشاريع التي واجهت صعوبة في تبرير حجم الأموال التي استهلكتها مقارنة بالنتائج التي حققتها.
فالرياضة قد تكون أداة لتحسين الصورة الدولية أو تعزيز الحضور العالمي، لكنها في النهاية تحتاج إلى نموذج اقتصادي يسمح باستمرارها.
أما عندما يصبح المشروع معتمدًا بالكامل على الدعم الحكومي أو السيادي لسنوات طويلة دون بناء مصادر دخل مستقلة، فإنه يتحول من استثمار إلى عبء مالي.
ولهذا فإن تقليص التمويل الحالي لا يبدو قرارًا معزولًا، بل جزءًا من مراجعة أوسع لسياسات الإنفاق التي طبعت السنوات الماضية.
“من مشروع عالمي إلى درس مكلف في سوء التقدير“
تكشف أزمة ليف غولف حقيقة باتت تتكرر في أكثر من ملف مرتبط بالاستثمارات السعودية الكبرى: ضخ الأموال قادر على شراء الوقت والنجوم والعناوين الإعلامية، لكنه لا يستطيع وحده شراء النجاح.
فالنجاح يحتاج إلى جمهور، وإيرادات، ورعاة، وأسواق حقيقية، ونموذج أعمال متماسك.
وفي حالة ليف غولف، يبدو أن الرهان كان قائمًا على أن المال سيحل جميع المشكلات الأخرى، لكن السنوات الماضية أثبتت أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
واليوم، بعد أكثر من خمسة مليارات دولار من الإنفاق، يجد المشروع نفسه في وضع لم يكن أحد يتوقعه عند انطلاقه: البحث عن ممولين جدد بينما يتراجع الدعم الذي قام عليه أساسًا.
“نهاية الحلم الذي بُني بالمال وحده“
قد ينجح الدوري في العثور على مستثمرين جدد، وقد يستمر لعدة سنوات أخرى، لكن ما جرى حتى الآن سيبقى مثالًا صارخًا على حدود القوة المالية عندما تُستخدم لتعويض غياب الأسس الاقتصادية الصلبة.
فبعد سنوات من الوعود والطموحات والإنفاق الاستثنائي، تكشف ليف غولف أنها لم تكن ثورة رياضية بقدر ما كانت تجربة مكلفة أثبتت أن المال يستطيع إطلاق المشاريع، لكنه لا يستطيع ضمان بقائها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية ليس تراجع التمويل أو مغادرة القيادات، بل الحقيقة التي بات من الصعب إنكارها: أن المشروع الذي ابتلع مليارات الدولارات لم يتمكن حتى الآن من إثبات أنه يستحقها.






