البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
عندما موّلت الرياض مشروع كوشنر الاعتراف الذي فضح الصفقة

عندما موّلت الرياض مشروع كوشنر الاعتراف الذي فضح الصفقة

كوشنر
كوشنر

في عالم الاستثمار، يُفترض أن تُضخ الأموال العامة لتحقيق عوائد اقتصادية واضحة، أو لدعم مشاريع استراتيجية تخدم مصالح الدولة ومواطنيها. لكن عندما يخرج جاريد كوشنر نفسه ليعترف بأن هدفه كان الحصول على أموال من الخليج واستثمارها في إسرائيل لتعزيز الروابط الاقتصادية معها، فإن القضية لم تعد مجرد استثمار مالي عادي، بل تتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي واستراتيجي كبير حول طبيعة القرارات التي تُدار بها الأموال السيادية السعودية.

تصريحات كوشنر الأخيرة لا تكشف فقط عن طريقة تفكيره، بل تعيد فتح ملف أثار جدلاً واسعاً منذ البداية: لماذا حصل رجل يفتقر إلى سجل استثماري استثنائي على ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي رغم التحفظات التي أبداها مستشارو الصندوق أنفسهم؟ ولماذا تم تجاوز الاعتراضات المهنية والمالية لصالح قرار سياسي دفع بأموال ضخمة نحو صندوق استثماري ناشئ يقوده شخص ارتبط اسمه بملفات سياسية شديدة الحساسية في المنطقة؟

اليوم، وبعد أن تحدث كوشنر بنفسه عن أهدافه، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

حين تجاهلت الرياض تحذيرات مستشاريها

عندما طُرح ملف الاستثمار في صندوق كوشنر قبل سنوات، لم يكن الأمر محل إجماع داخل المؤسسات المعنية بإدارة الأموال السيادية السعودية.

فبحسب ما كشفته تقارير دولية سابقة، أبدى مستشارون ومسؤولون داخل صندوق الاستثمارات العامة تحفظات واضحة على الصفقة، مشيرين إلى محدودية خبرة الشركة الجديدة، والمخاطر المرتفعة المرتبطة بها، وعدم وجود سجل استثماري يبرر ضخ مليارات الدولارات فيها.

كانت الاعتراضات مهنية ومالية بالدرجة الأولى.

لكن تلك التحفظات لم تمنع تمرير الصفقة في نهاية المطاف.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل: إذا كان المختصون أنفسهم قد حذروا من المخاطر، فلماذا جرى المضي في القرار؟

الأحداث اللاحقة جعلت هذا السؤال أكثر إلحاحاً، خصوصاً بعد أن اتضح أن الاستثمار لم يكن مرتبطاً فقط باعتبارات اقتصادية بحتة، بل جاء في سياق شبكة معقدة من العلاقات السياسية التي نشأت خلال سنوات إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

أموال سعودية وأهداف إسرائيلية معلنة

ما يجعل تصريحات كوشنر الأخيرة استثنائية ليس مجرد مضمونها، بل صراحتها.

فالرجل لم يتحدث عن تعظيم العائد للمستثمرين أو البحث عن فرص عالمية واعدة، بل قال بوضوح إنه أراد الحصول على أموال من الخليج واستثمارها في إسرائيل للمساعدة في بناء الروابط الاقتصادية.

بمعنى آخر، فإن الهدف الذي أُعلن عنه لا يتعلق بالسعودية أو بالاقتصاد السعودي أو بتنويع مصادر الدخل داخل المملكة، بل يرتبط بمشروع اقتصادي وسياسي يتجاوز حدودها.

وهنا يظهر التناقض الأكبر.

ففي الوقت الذي تُطلب فيه التضحيات من المواطنين عبر الضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة وتقليص بعض أوجه الدعم، تُستخدم مليارات الدولارات من الأموال السيادية في صفقات لا تبدو مرتبطة بشكل مباشر بتحسين حياة السعوديين أو معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.

والأكثر حساسية أن هذه الأموال ذهبت إلى شخصية سياسية لعبت دوراً محورياً في ملفات إقليمية شديدة الجدل، وكان لها موقف واضح من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

من الاستثمار إلى التمويل السياسي المقنّع

تقوم الصناديق السيادية عادة على مبدأ بسيط: استثمار الثروة الوطنية لتحقيق مكاسب طويلة الأجل للأجيال القادمة.

لكن عندما يصبح الاستثمار متشابكاً مع الحسابات السياسية والعلاقات الشخصية، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور.

فهل كان القرار قائماً على دراسة استثمارية مستقلة؟ أم أنه كان انعكاساً لتحالفات سياسية وشخصية؟

وهل كانت الأولوية هي تحقيق أفضل عائد ممكن للأموال السعودية؟ أم دعم مشاريع وشخصيات ترتبط بأجندات سياسية محددة؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر مشروعية بعد تصريحات كوشنر نفسها.

فالرجل لم يقل إنه أخذ الأموال لبناء مصانع داخل السعودية أو لتطوير التكنولوجيا السعودية أو لخلق فرص عمل للسعوديين، بل تحدث عن مشروع اقتصادي يخدم رؤيته للعلاقات الإقليمية ويعزز الروابط مع إسرائيل.

وهذا ما يجعل القضية تتجاوز النقاش المالي التقليدي لتتحول إلى نقاش أوسع حول كيفية إدارة الثروة الوطنية وأولويات استخدامها.

بين العجز المالي والمليارات المهاجرة

تأتي هذه القضية في توقيت حساس للغاية.

فالسعودية تواجه اليوم ضغوطاً مالية متزايدة، وعجزاً في الميزانية، ومراجعات لمشاريع كبرى، وتأجيلاً أو إلغاءً لعدد من المبادرات التي كانت تُعد جزءاً أساسياً من رؤية 2030.

وفي الوقت نفسه، تتحدث التقارير عن الحاجة إلى ترشيد الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات.

لكن وسط كل هذه التحديات، تبقى صفقة كوشنر مثالاً صارخاً على حجم الأموال التي خرجت من المملكة نحو استثمارات مثيرة للجدل.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كم مشروع محلي كان يمكن تمويله بهذه المليارات؟ وكم فرصة عمل كان يمكن خلقها؟ وكم قطاعاً اقتصادياً كان يمكن تطويره؟

فعندما تُنفق الأموال العامة على استثمارات لا تزال محل جدل حتى داخل المؤسسات التي وافقت عليها، فإن النقاش لا يعود متعلقاً فقط بالربح والخسارة، بل بالمسؤولية أيضاً.

الصفقة التي ستبقى تطارد صورة الصندوق

قد يحقق صندوق كوشنر أرباحاً مستقبلاً أو لا يحققها، لكن الضرر السياسي والمعنوي الناتج عن هذه القضية أصبح واقعاً يصعب تجاهله.

فكل تصريح جديد يصدر عن كوشنر يعيد فتح الملف من جديد، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المال السيادي السعودي والمشاريع السياسية المرتبطة به.

كما أن اعترافه الصريح بأهدافه يجعل من الصعب تقديم الصفقة على أنها مجرد استثمار مالي عادي.

لقد تحولت إلى رمز لنمط من القرارات التي يرى منتقدون أنها تُتخذ بعيداً عن معايير الشفافية والمساءلة التقليدية.

اعتراف كوشنر يكشف ما حاولت الرواية الرسمية إخفاءه

تكشف قضية كوشنر حقيقة أوسع من مجرد استثمار واحد. إنها تعكس طبيعة مرحلة أصبحت فيها الحدود بين الاقتصاد والسياسة أكثر ضبابية، وبين الاستثمار والتحالفات الشخصية أقل وضوحاً.

وقد تحاول الحكومات تبرير مثل هذه القرارات بأهداف استراتيجية أو اقتصادية طويلة المدى، لكن تصريحات أصحاب المشاريع أنفسهم تكون أحياناً أكثر تعبيراً من أي بيان رسمي.

وعندما يقول المستفيد من الأموال إنه أراد استخدامها لتعزيز مشاريع اقتصادية مرتبطة بإسرائيل، فإن الجدل لا يعود حول تفسير النوايا، بل حول حقيقة الأهداف المعلنة نفسها.

وفي النهاية، تبقى القضية مثالاً على سؤال أكبر يواجه السعودية اليوم: هل تُدار الثروة الوطنية وفق أولويات اقتصادية تخدم المواطن والدولة، أم أنها أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من الحسابات السياسية والعلاقات الدولية التي يدفع ثمنها المال العام؟

المليارات لا تكذب

قد تنجح الحكومات في تسويق المشاريع، وقد تُخفف البيانات الرسمية من حجم الجدل، لكن الأرقام تبقى أكثر صراحة من الخطابات. ومليارا دولار ذهبت إلى صندوق أثار اعتراضات داخلية منذ البداية، ثم خرج صاحبه ليكشف بنفسه طبيعة الأهداف التي كان يسعى إليها، ستبقى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في سجل استثمارات صندوق الاستثمارات العامة. وفي النهاية، لم يعد السؤال ماذا أراد كوشنر من الصفقة، لأنه أجاب بنفسه. السؤال الحقيقي هو: لماذا وافقت الرياض عليها رغم كل التحذيرات

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية