منذ إطلاق مشروع نيوم، جرى تقديمه باعتباره أعظم مشروع عمراني في القرن الحادي والعشرين، وجرى تسويقه عالميًا بوصفه النموذج الذي سيعيد تعريف المدن والحياة والاقتصاد والتكنولوجيا. لكن مع مرور السنوات، بدأت الفجوة تتسع بين الرواية الرسمية والواقع على الأرض، وبين الصور اللامعة التي تُعرض في المؤتمرات العالمية وما يجري فعليًا داخل مواقع المشروع.
واليوم، تأتي شهادة موظف أجنبي سابق عمل داخل نيوم لتضيف فصلًا جديدًا إلى سلسلة طويلة من التساؤلات والشكوك التي أحاطت بالمشروع منذ بداياته. فالرجل الذي وافق على الحديث بشرط عدم الكشف عن هويته، لا يصف ما جرى بأنه تعثر عادي أو تأخير في التنفيذ، بل يتحدث عن منظومة كاملة قامت على الوعود المبالغ فيها والتصورات غير القابلة للتنفيذ، وصولًا إلى ما اعتبره “فشلًا ذريعًا” جرى إخفاؤه خلف حملات دعائية ضخمة.
وبعيدًا عن اللغة التسويقية المعتادة، تكشف هذه الشهادة جانبًا مختلفًا من قصة المشروع الذي استنزف مئات المليارات وأصبح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل وخارج المملكة.
“مدينة المستقبل” التي بقيت حبيسة العروض التقديمية
على مدى سنوات، شكّلت “ذا لاين” جوهر الحلم الذي رُسم لنيوم. مدينة خطية عملاقة تمتد لعشرات الكيلومترات وسط الصحراء، دون سيارات أو شوارع أو انبعاثات كربونية، وتستوعب ملايين السكان داخل تصميم غير مسبوق في التاريخ الحديث.
لكن وفق شهادة الموظف السابق، فإن المشكلة الأساسية لم تكن في التنفيذ، بل في الفكرة نفسها.
فبحسب روايته، كانت التصورات التي عُرضت للعالم أقرب إلى الرسوم الخيالية منها إلى المشاريع الهندسية القابلة للبناء. ويقول إن كثيرًا من المختصين كانوا يدركون حجم التحديات منذ البداية، لكن الاعتراض أو التشكيك لم يكن خيارًا متاحًا داخل بيئة إدارية لا تتسامح مع النقد أو المراجعة.
وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات التي واجهت نيوم منذ انطلاقها: غياب المسافة بين الطموح والواقع.
فبدل أن تُخضع الأفكار العملاقة لاختبارات الجدوى والقدرة على التنفيذ، جرى التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية يجب أن تتحول إلى واقع مهما كانت التحديات التقنية أو الاقتصادية.
والنتيجة أن المشروع ظل لسنوات محاطًا بالصور والنماذج الرقمية المبهرة، بينما بقي التقدم الفعلي على الأرض بعيدًا عن الوعود التي أُطلقت للعالم.
سندالة من واجهة فاخرة إلى رمز للإخفاق
إذا كانت “ذا لاين” تمثل الحلم المؤجل، فإن جزيرة سندالة كانت المشروع الذي أرادت نيوم تقديمه كدليل عملي على نجاحها.
ولهذا السبب حظيت الجزيرة بحفل افتتاح ضخم وتغطية إعلامية عالمية، قُدمت خلالها بوصفها أول إنجاز ملموس ضمن رؤية المشروع العملاق.
لكن الشهادة الجديدة ترسم صورة مختلفة تمامًا.
فبدلًا من الحديث عن نجاح هندسي أو سياحي، تتحدث الرواية عن مشكلات تشغيلية وفنية ظهرت منذ اللحظات الأولى، وعن حالة ارتباك داخلية صاحبت الافتتاح، وصولًا إلى إغلاق أجزاء كبيرة من المشروع بعد فترة قصيرة.
والأخطر أن ما كان يُفترض أن يكون نقطة انطلاق لنيوم تحول تدريجيًا إلى رمز للأسئلة التي بدأت تُطرح حول جدوى الإنفاق الضخم والسرعة التي فُرضت بها بعض المشاريع دون استكمال المتطلبات الأساسية لنجاحها.
فبعد سنوات من الدعاية والاستعدادات، لم تتحول سندالة إلى الوجهة السياحية العالمية التي وُعد بها المستثمرون والرأي العام، بل أصبحت مثالًا على الهوة بين الترويج والتنفيذ.
حين يصبح الخوف جزءًا من الإدارة
أكثر ما يلفت الانتباه في شهادة الموظف السابق ليس حديثه عن المباني أو التصاميم، بل وصفه لطبيعة بيئة العمل داخل المشروع.
فهو يشبّه ما جرى بقصة “الإمبراطور العاري”، حيث يعلم الجميع بوجود مشكلة واضحة، لكن لا أحد يجرؤ على الإشارة إليها.
هذا الوصف يسلط الضوء على معضلة أعمق من أي خلل هندسي أو مالي: غياب ثقافة المراجعة والنقد داخل المشاريع العملاقة.
فالمشاريع الكبرى بطبيعتها تواجه أخطاء وتحديات وتأخيرات، لكن الفرق بين النجاح والفشل يكمن في القدرة على الاعتراف بالمشكلة وتصحيح المسار مبكرًا.
أما عندما يصبح التشكيك في القرارات أو طرح الأسئلة الصعبة أمرًا محفوفًا بالمخاطر، فإن الأخطاء تتراكم بصمت حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
ولهذا يرى كثير من المراقبين أن أزمة نيوم ليست فقط أزمة تمويل أو تصميم، بل أزمة حوكمة وإدارة واتخاذ قرار.
فاتورة الأحلام المكلفة
في السنوات الأخيرة، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بصورة أوضح.
إلغاء مشاريع، وتأجيل أخرى، وإعادة هيكلة داخلية، وإنهاء عقود بمليارات الدولارات، ومراجعات متكررة للأهداف الزمنية والمالية.
كل ذلك يشير إلى أن المشروع الذي قُدم بوصفه محرك المستقبل السعودي يواجه اليوم اختبارًا وجوديًا يتعلق بقدرته على الاستمرار بالوتيرة نفسها.
فمع اتساع العجز المالي وارتفاع مستويات الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين تجاه المشاريع عالية المخاطر، أصبحت الأسئلة المتعلقة بالكلفة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وإذا كانت الشهادة الأخيرة صحيحة في جانب كبير منها، فإن ما جرى داخل نيوم قد يكون مثالًا على مخاطر إدارة المشاريع العملاقة بمنطق الدعاية السياسية بدلًا من الحسابات الاقتصادية والهندسية الدقيقة.
شهادة تكسر جدار الصمت
تكمن أهمية هذه الشهادة في أنها لا تصدر عن معارض سياسي أو ناقد خارجي، بل عن شخص عمل داخل المشروع وشاهد جزءًا من تفاصيله من الداخل.
ولهذا فإنها تضيف وزنًا جديدًا للنقاش الدائر حول مستقبل نيوم وحقيقة ما تحقق فيها حتى الآن.
وقد تحاول الإدارة الحالية التقليل من أهمية هذه الروايات أو اعتبارها مجرد آراء فردية، لكن تكرار المؤشرات السلبية من مصادر مختلفة يجعل من الصعب تجاهلها بالكامل.
فالمشاريع العملاقة لا تُقاس بحجم المؤتمرات أو عدد العروض الترويجية، بل بما يتحقق فعليًا على الأرض.
الحقيقة التي تلاحق نيوم
بعد سنوات من الوعود الاستثنائية والميزانيات الضخمة والتغطيات الإعلامية المكثفة، تبدو نيوم اليوم أمام لحظة الحقيقة.
فإما أن تنجح في إثبات قدرتها على التحول من مشروع دعائي إلى واقع اقتصادي وعمراني قابل للحياة، أو تتحول إلى واحدة من أكثر التجارب تكلفة في تاريخ المشاريع الحكومية الحديثة.
والشهادة الأخيرة تزيد من صعوبة هذا الامتحان، لأنها لا تتحدث عن تأخير أو تعثر مؤقت، بل تطرح سؤالًا أكثر جوهرية: هل كانت بعض أحلام نيوم قابلة للتحقيق أصلًا؟ ذلك هو السؤال الذي يزداد حضورًا مع كل مشروع يُلغى، وكل عقد يُنهى، وكل شهادة جديدة تخرج من داخل المشروع لتكشف ما لم تكن الصور اللامعة تُظهره






