في الوقت الذي تواصل فيه السلطات السعودية تشديد قبضتها على الفضاء الرقمي، وملاحقة الحسابات المعارضة، وحجب المنصات والمحتويات التي لا تنسجم مع روايتها الرسمية، تبرز مفارقة لافتة يصعب تجاهلها: فبينما تُفرض القيود على المحتوى السياسي والإعلامي، تواصل تطبيقات المواعدة والعلاقات العابرة توسعها داخل المملكة دون أن تواجه المستوى نفسه من الرقابة أو التضييق.
وقد أعاد حديث رحالة أجنبي عن تجربته مع تطبيق “تندر” داخل السعودية تسليط الضوء على هذا التناقض المتزايد بين ما تعتبره السلطات تهديدًا يستوجب الحظر والملاحقة، وبين ما تسمح له بالانتشار تحت مظلة “الانفتاح” و”الترفيه” و”التحول الاجتماعي”.
المسألة لم تعد مرتبطة بتطبيق واحد أو تجربة فردية، بل بمشهد أوسع يعكس تغيرًا عميقًا في أولويات الرقابة الرسمية، حيث يبدو أن الخطر لم يعد يُقاس بمدى تأثير المحتوى على البنية الاجتماعية والقيمية للمجتمع، بل بمدى اقترابه من السياسة أو النقد أو النقاش العام.
الرقابة الانتقائية ما يُزعج السلطة يُحظر وما يُربك المجتمع يُترك
خلال السنوات الماضية، أثبتت السلطات السعودية امتلاكها قدرات واسعة على التحكم بالمجال الرقمي.
فقد شهدت المملكة حملات حجب لمنصات إعلامية، وإغلاق حسابات معارضة، وتقييد محتوى سياسي وحقوقي، بل ووصل الأمر إلى ملاحقة مستخدمين بسبب تغريدات أو تعليقات على منصات التواصل الاجتماعي.
كما جرى حجب تطبيقات وخدمات رقمية مختلفة لأسباب تنظيمية أو سياسية أو اقتصادية، ما يؤكد أن الدولة تمتلك الأدوات التقنية والقانونية اللازمة للتدخل عندما تريد ذلك.
لكن في المقابل، يبدو المشهد مختلفًا عندما يتعلق الأمر بتطبيقات المواعدة والعلاقات الشخصية.
فهذه المنصات استمرت في العمل والتوسع، بل وتحولت إلى جزء من المشهد الرقمي الجديد الذي نشأ مع التحولات الاجتماعية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون: إذا كانت الدولة قادرة على حجب محتوى سياسي خلال ساعات، فلماذا لا تُظهر الحماسة نفسها تجاه تطبيقات يراها قطاع واسع من المجتمع مصدرًا لتغييرات اجتماعية وثقافية مثيرة للجدل؟
الانفتاح الجديد وتغيير الأولويات
منذ إطلاق مشاريع الترفيه والانفتاح الاجتماعي، شهدت السعودية تغيرات متسارعة لم يكن كثيرون يتوقعون حدوثها بهذه السرعة.
حفلات موسيقية ضخمة، مواسم ترفيهية، فعاليات مختلطة، نوادٍ ليلية، واستقدام أنماط ثقافية جديدة كانت حتى وقت قريب بعيدة عن المشهد المحلي.
وفي خضم هذه التحولات، ظهرت تطبيقات المواعدة كجزء من البيئة الاجتماعية الجديدة التي تتشكل داخل المدن السعودية.
فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره سلوكًا غير مقبول اجتماعيًا، أصبح يجد مساحة أكبر للحضور بفعل التحولات الرقمية والثقافية التي رافقت مشروع “الانفتاح”.
ويرى منتقدون أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه التطبيقات، بل في الرسالة الضمنية التي يبعثها التعامل الرسمي معها مقارنة بالتعامل مع قضايا أخرى.
فحين تُعتبر منشورات تنتقد البطالة أو تطرح تساؤلات حول الأداء الحكومي تهديدًا للنظام العام، بينما تبقى المنصات التي تروّج لعلاقات عابرة خارج دائرة الاهتمام، فإن ذلك يكشف تغيرًا واضحًا في سلم الأولويات.
المجال العام تحت السيطرة والمجال الاجتماعي مفتوح للتجارب
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية في السعودية هو أن النقاش السياسي أصبح أكثر تقييدًا من أي وقت مضى، في حين تشهد المساحات الاجتماعية والثقافية قدرًا غير مسبوق من التحرر والتجريب.
فالمواطن الذي قد يواجه مساءلة بسبب رأي سياسي أو منشور ينتقد جهة رسمية، يعيش في الوقت نفسه داخل بيئة رقمية تسمح بانتشار أنماط جديدة من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي كانت تُعد من المحرمات سابقًا.
وهذا التباين خلق حالة من الجدل داخل المجتمع السعودي نفسه.
فبينما ترى السلطة أن الانفتاح الاجتماعي جزء من مشروعها الجديد، يرى منتقدون أن ما يحدث ليس انفتاحًا متوازنًا، بل إعادة صياغة للمجال العام بطريقة تُضعف حضور القضايا السياسية والفكرية مقابل توسيع مساحة الترفيه والاستهلاك والعلاقات الشخصية.
وبذلك يصبح المواطن أكثر حرية في خياراته الترفيهية، لكنه أقل قدرة على التعبير عن رأيه في القضايا العامة.
التحول الرقمي بين الحرية والضبط الانتقائي
لطالما رُوّج للتحول الرقمي في السعودية باعتباره خطوة نحو الحداثة والانفتاح ومواكبة العالم.
لكن التجربة الحالية تكشف أن الرقمنة وحدها لا تعني بالضرورة توسيع الحريات.
فالفضاء الإلكتروني السعودي يبدو اليوم أكثر انفتاحًا في بعض المجالات، وأكثر انغلاقًا في مجالات أخرى.
والمعيار الحاكم لهذا الانفتاح أو الإغلاق لا يرتبط دائمًا بالقيم الاجتماعية أو الاعتبارات الثقافية، بل بطبيعة المحتوى نفسه ومدى تأثيره على المجال السياسي أو الإعلامي.
ولهذا أصبحت الرقابة تبدو انتقائية في نظر كثير من المراقبين؛ تشتد عندما يتعلق الأمر بالنقد أو المعارضة أو النقاشات العامة، وتتراجع عندما يتعلق الأمر بمسارات التحول الاجتماعي التي تتبناها السلطة نفسها.
أي مجتمع تُعاد صياغته؟
القضية في جوهرها ليست قضية تطبيق أو منصة بعينها، بل سؤال أوسع يتعلق بالاتجاه الذي تسير فيه المملكة.
فالتغييرات التي تشهدها السعودية اليوم لا تقتصر على الاقتصاد أو الترفيه، بل تمتد إلى أنماط الحياة والعلاقات والقيم التي تشكل هوية المجتمع.
وفي ظل هذا التحول الكبير، يزداد الجدل حول طبيعة الأولويات التي تحكم عملية التغيير.
هل الهدف بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وحرية بشكل متوازن؟ أم إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية تسمح بما يخدم مشروع السلطة وتقيّد ما قد يشكل تحديًا له؟
المفارقة التي تختصر المشهد
ربما تختصر هذه القضية واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في السعودية اليوم: دولة قادرة على ملاحقة المعارضين وحجب الحسابات والمنصات خلال ساعات، لكنها تبدو أقل انشغالًا بالتطبيقات التي يرى كثيرون أنها تُحدث تحولات عميقة في النسيج الاجتماعي والثقافي.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بتطبيق مواعدة أو تجربة رحالة أجنبي، بل بصورة أوسع لمجتمع يُعاد تشكيله تحت إشراف السلطة نفسها، حيث تُفتح بعض الأبواب على مصراعيها، بينما تُغلق أبواب أخرى بإحكام شديد. وهنا يكمن السؤال الحقيقي: إذا كانت الرقابة تُمارس بهذه القوة، فلماذا تُوجَّه نحو الأصوات والآراء أكثر مما تُوجَّه نحو الظواهر التي يراها قطاع واسع من المجتمع أكثر تأثيرًا على هويته وقيمه ومستقبله






