لم تعد التحذيرات المتعلقة بالمالية السعودية تقتصر على العجز السنوي أو تراجع الإيرادات النفطية، بل بدأت تمتد إلى أخطر مؤشرات الاستدامة الاقتصادية: الدين العام. فالتوقعات التي نشرتها شركة كابيتال إيكونوميكس، والتي أشارت إلى احتمال وصول الدين السعودي إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، تمثل جرس إنذار حقيقي بشأن المسار المالي الذي تسلكه المملكة في ظل الإنفاق الضخم على المشاريع العملاقة، وتباطؤ العوائد الاستثمارية، واستمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل الطموحات الاقتصادية.
ورغم أن الحكومة السعودية تقدم تقديرات أكثر تفاؤلًا، تتوقع فيها وصول الدين إلى نحو 33% فقط بحلول عام 2028، فإن مجرد اتساع الفجوة بين التقديرات الرسمية وتوقعات المؤسسات الاقتصادية الدولية يعكس حجم الضبابية التي تحيط بمستقبل المالية العامة، خاصة مع تزايد الضغوط الناتجة عن تذبذب أسعار النفط، وتأجيل عدد من المشاريع، وارتفاع الالتزامات المالية المرتبطة برؤية 2030.
رؤية تُموَّل بالديون أكثر مما تُموَّل بالعوائد
عندما أُطلقت رؤية 2030، قُدمت باعتبارها مشروعًا يهدف إلى بناء اقتصاد متنوع يقلل الاعتماد على النفط، ويخلق مصادر دخل جديدة قادرة على تمويل التنمية بصورة مستدامة.
لكن بعد مرور عقد تقريبًا، يبدو أن المشهد يسير في اتجاه مختلف.
فبدل أن تصبح الاستثمارات الجديدة مصدرًا لتمويل الاقتصاد، أصبحت الدولة تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض للحفاظ على وتيرة الإنفاق، سواء عبر السندات، أو القروض، أو أدوات الدين المختلفة.
وهذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت المشاريع العملاقة تحتاج باستمرار إلى المزيد من الاقتراض لتمويلها، فأين العوائد التي كان يفترض أن تجعلها قادرة على تمويل نفسها؟
الاقتراض ليس أزمة لكن الإفراط فيه هو الخطر
لا توجد دولة حديثة تخلو من الدين العام، كما أن الاقتراض قد يكون أداة طبيعية لتمويل الاستثمار عندما تكون العوائد المستقبلية قادرة على تغطيته.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين إلى وسيلة دائمة لسد الفجوات المالية، وليس إلى أداة مرحلية لتمويل النمو.
فكل ريال يُقترض اليوم يعني التزامًا بالسداد غدًا، مع فوائد تتزايد كلما ارتفعت مستويات الدين وأسعار الفائدة العالمية.
وإذا استمرت الحاجة إلى الاقتراض بالمعدلات الحالية، فإن جزءًا متزايدًا من الإيرادات الحكومية سيُوجَّه مستقبلًا لخدمة الدين بدلًا من تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات العامة.
ارتفاع تكلفة الاقتراض فاتورة لا تظهر فورًا
تشير التقديرات إلى أن زيادة الدين العام لن تتوقف عند حدود الأرقام، بل ستنعكس أيضًا في صورة ارتفاع تكلفة الاقتراض.
فكلما ارتفع حجم الدين، ارتفعت معه المخاطر التي يحتسبها المستثمرون، وهو ما يدفع الحكومات إلى دفع فوائد أعلى عند إصدار السندات أو الحصول على التمويل.
وهذا يعني أن الدولة قد تجد نفسها تدفع مليارات إضافية سنويًا فقط لتغطية تكلفة الاقتراض، دون أن يضيف ذلك أي مشروع جديد أو قيمة اقتصادية إضافية.
ومع استمرار العجز في بعض السنوات، قد تتحول هذه الحلقة إلى عبء دائم يحد من قدرة الحكومة على الإنفاق التنموي.
القطاع الخاص أول ضحايا التوسع في الاقتراض
من أخطر ما أشارت إليه التقديرات أن التوسع في الاقتراض الحكومي قد يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على مصادر التمويل.
فعندما تصبح الحكومة أكبر المقترضين في السوق، تتجه البنوك والمستثمرون إلى تمويل السندات الحكومية باعتبارها أقل مخاطرة، ما يقلل حجم التمويل المتاح للشركات الخاصة.
والنتيجة أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي يفترض أن تكون المحرك الأساسي لتنويع الاقتصاد، تجد نفسها أمام تكلفة تمويل أعلى وفرص أقل للحصول على القروض.
وهنا تظهر مفارقة واضحة؛ فالرؤية التي تعلن أنها تريد تمكين القطاع الخاص قد تؤدي سياساتها التمويلية إلى تقليص قدرته على النمو.
النفط لا يزال يحكم المعادلة
رغم سنوات الحديث عن الاقتصاد الجديد، ما زالت الإيرادات النفطية هي العامل الأكثر تأثيرًا في وضع المالية العامة السعودية.
فكلما انخفضت أسعار النفط أو تراجعت الصادرات، ازدادت الحاجة إلى الاقتراض لسد العجز وتمويل المشاريع.
وهذا يؤكد أن التنويع الاقتصادي لم يصل بعد إلى المرحلة التي تجعل الدولة أقل حساسية لتقلبات سوق الطاقة.
ولو كانت القطاعات غير النفطية تحقق الإيرادات الموعودة، لما أصبحت الديون تتصاعد بهذه الوتيرة، ولما ظلت الموازنة تعتمد إلى هذا الحد على أداء أسواق النفط.
المشاريع العملاقة بين الطموح والقدرة على التمويل
يصعب فصل توقعات ارتفاع الدين عن حجم الالتزامات المرتبطة بالمشاريع العملاقة.
فنيوم، والقدية، والمكعب، والبنية التحتية الخاصة بإكسبو 2030 وكأس العالم 2034، تحتاج جميعها إلى تمويل مستمر لعشرات السنين.
ومع تراجع بعض الإيرادات وتأجيل عدد من المشاريع وإعادة ترتيب الأولويات، أصبح واضحًا أن الدولة تواجه معادلة معقدة بين الحفاظ على الزخم السياسي لهذه المشاريع، وبين القدرة الفعلية على تمويلها دون تحميل المالية العامة أعباء متزايدة.
ولذلك لم يعد الحديث يدور حول إطلاق مشاريع جديدة، بل حول كيفية توفير الأموال اللازمة لاستكمال المشاريع القائمة.
هل تتحول الرؤية إلى عبء مالي؟
في بداياتها، رُوج لرؤية 2030 باعتبارها وسيلة لتحرير الاقتصاد من قيود الماضي.
لكن مع تزايد الاعتماد على الاقتراض، بدأت بعض التقديرات الاقتصادية تطرح احتمالًا معاكسًا؛ وهو أن تتحول كلفة تنفيذ الرؤية نفسها إلى أحد أكبر مصادر الضغط على المالية العامة.
فإذا كانت العوائد الاستثمارية أقل من المتوقع، وإذا استمرت الحاجة إلى تمويل المشاريع عبر الديون، فإن الرؤية قد تنتقل من كونها مشروعًا للنمو إلى مشروع يحتاج باستمرار إلى تمويل إضافي للحفاظ على استمراره.
المستقبل مرهون بالإصلاح الحقيقي لا بالاستدانة
لا يمكن لأي اقتصاد أن يبني استدامته على الاقتراض وحده، مهما بلغت قدرته المالية.
فالاستدامة الحقيقية تتحقق عندما تصبح الاستثمارات قادرة على توليد عوائد تغطي تكلفتها، وعندما يصبح القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للنمو، وعندما تتراجع الحاجة إلى التمويل الحكومي المستمر.
أما إذا بقيت المشاريع تعتمد على ضخ الأموال العامة عامًا بعد عام، فإن ارتفاع الدين لن يكون مجرد احتمال نظري، بل نتيجة طبيعية لمسار اقتصادي يعتمد على الإنفاق أكثر مما يعتمد على الإنتاج.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه هذه التوقعات ليس احتمال وصول الدين إلى نسبة معينة من الناتج المحلي، بل أنها تعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد السعودي؛ اقتصاد يزداد اعتمادًا على الاستدانة للحفاظ على طموحاته، في وقت لم تثبت فيه المشاريع العملاقة بعد قدرتها على إنتاج العوائد التي وُعد بها. وإذا استمر هذا المسار، فقد تجد المملكة نفسها خلال السنوات المقبلة أمام معادلة صعبة: ديون أعلى، وتكاليف تمويل أكبر، ومساحة أضيق للمناورة المالية، وهو ما قد يفرض في النهاية مراجعة مؤلمة لأولويات الإنفاق التي قامت عليها رؤية 2030 منذ بدايتها.





