البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“المدافع تلتهم الرؤية” بن سلمان يحرق خزائن السعودية على السلاح بعد سقوط وهم الاستقرار

“المدافع تلتهم الرؤية” بن سلمان يحرق خزائن السعودية على السلاح بعد سقوط وهم الاستقرار

بن سلمان
بن سلمان

لم تمضِ سنوات طويلة على حملات الترويج الضخمة التي قدّمت محمد بن سلمان باعتباره “مهندس التحول الاقتصادي” حتى بدأت الحقائق القاسية تفرض نفسها على الأرض. اليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والحرب المرتبطة بإيران، تعود السعودية سريعًا إلى أولوياتها القديمة: الأمن والسلاح والإنفاق العسكري، بينما تتراجع الشعارات التي رُفعت حول التنويع الاقتصادي والاستثمار العالمي والانفتاح.

صحيفة فايننشال تايمز كشفت أن الإنفاق الدفاعي السعودي قفز بنسبة 26% خلال الربع الأول من العام، في زيادة ضخمة تعكس حجم القلق الذي يسيطر على النظام بعد الحرب الإقليمية الأخيرة. هذه القفزة لا تعني فقط مزيدًا من شراء الأسلحة، بل تعني عمليًا أن الدولة بدأت تعيد توجيه الأموال من قطاعات أخرى، بما فيها الاستثمارات الدولية والمشاريع الاقتصادية، نحو المؤسسة العسكرية.

الحقيقة التي تكشفها هذه الأرقام أن “رؤية 2030” بدأت تأكل نفسها. النظام الذي وعد بتحويل المملكة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة والاستثمار يجد نفسه اليوم مضطرًا للعودة إلى منطق التحصين الأمني، لأن البيئة التي صنعها بنفسه أصبحت أكثر هشاشة من أن تحتمل كل هذا الاستعراض الاقتصادي.

الحرب تفضح الوهم”السعودية تعود إلى عقلية الدولة الأمنية

طوال السنوات الماضية، حاول النظام السعودي تسويق فكرة أن المملكة تجاوزت مرحلة “الدولة النفطية التقليدية” ودخلت عصر الاقتصاد الحديث. لكن الحرب الأخيرة وما رافقها من استهداف للبنية التحتية والطاقة كشفت أن الأولوية الحقيقية للنظام لم تتغير أبدًا: البقاء الأمني أولًا، وكل شيء آخر يمكن التضحية به.

زيادة الإنفاق العسكري بنسبة الربع خلال أشهر قليلة ليست رقمًا عابرًا، بل إعلان عملي عن تحول كامل في ترتيب الأولويات. فجأة، أصبحت أنظمة الدفاع الجوي أكثر أهمية من المدن الذكية، وأصبحت الصواريخ أكثر إلحاحًا من المشاريع الترفيهية والرياضية التي ابتلعت المليارات خلال السنوات الماضية.

هذا التحول يكشف أن “الاستقرار” الذي رُوّج له كان هشًا إلى درجة أن أول أزمة إقليمية كبيرة دفعت الدولة إلى إعادة توجيه مواردها بسرعة نحو التسلح.

المفارقة أن السعودية تُعد أصلًا من أكبر الدول إنفاقًا على السلاح عالميًا، ومع ذلك لم يمنع هذا الإنفاق الهائل تعرّض منشآت النفط والمطارات والبنية التحتية للتهديد خلال السنوات الأخيرة. ما يعني أن النظام لا يعالج جذور الأزمة، بل يكرر نفس الحلقة: مزيد من السلاح لمواجهة نتائج سياسة إقليمية أكثر توترًا وتعقيدًا.

الاقتصاد يدفع الثمن” مشاريع الرؤية تدخل مرحلة الاختناق

كل ريال إضافي يُضخ في الدفاع يعني ريالًا أقل للمشاريع الاقتصادية والاستثمارات التي بُنيت عليها “رؤية 2030”. وهذا بالضبط ما حذّرت منه فايننشال تايمز: التمويل العسكري الجديد قد يأتي على حساب الاستثمارات الدولية وقطاعات أخرى.

المشكلة أن الاقتصاد السعودي أصلًا يعيش تحت ضغط هائل. العجز المالي يتسع، والديون ترتفع، والمشاريع العملاقة مثل نيوم و”ذا لاين” تواجه تباطؤًا وتأجيلات وتقليصات متكررة.

الآن، ومع ارتفاع الإنفاق العسكري، تصبح هذه المشاريع أكثر عرضة للاختناق المالي. الدولة التي كانت تنفق ببذخ على الرياضة والترفيه والذكاء الاصطناعي تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط الواقع الأمني.

هذا التحول يفضح هشاشة النموذج الاقتصادي نفسه. لو كانت الرؤية قد نجحت فعلًا في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، لما كانت حرب إقليمية واحدة قادرة على قلب كل الحسابات المالية بهذا الشكل.

لكن الحقيقة أن الاقتصاد السعودي ما زال يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي، وأي أزمة جيوسياسية تدفع الدولة فورًا إلى إعادة توجيه الموارد نحو الأمن والدفاع.

الاستثمارات العالمية تتراجع” السعودية من التوسع إلى الانكماش

لسنوات، حاول صندوق الاستثمارات العامة تقديم نفسه كأحد أكبر اللاعبين الماليين في العالم، عبر ضخ الأموال في التكنولوجيا والرياضة والإعلام والألعاب الإلكترونية والعقارات العالمية.

لكن زيادة الإنفاق العسكري تضع هذه الاستراتيجية تحت ضغط كبير. حين تبدأ الدولة بتحويل الأموال نحو الدفاع، فإن أول القطاعات التي تتضرر تكون الاستثمارات عالية المخاطر أو طويلة الأجل.

وهذا ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل: مراجعة للمشاريع، تقليص للإنفاق، وتأجيل لبعض المبادرات التي كانت تُقدَّم سابقًا كأولويات استراتيجية.

المفارقة أن النظام حاول طوال السنوات الماضية استخدام هذه الاستثمارات كأداة نفوذ سياسي ودعائي، لكن الحرب الأخيرة كشفت أن كل هذا التوسع المالي يمكن أن يتراجع بسرعة عندما تدخل الدولة في مرحلة القلق الأمني.

بمعنى آخر، السعودية انتقلت من مرحلة “شراء النفوذ العالمي” إلى مرحلة “حماية الداخل”، وهذا التحول يحمل اعترافًا ضمنيًا بأن البيئة الإقليمية أصبحت أخطر من أن تسمح باستمرار نفس مستوى الإنفاق الاستعراضي.

السلاح يبتلع المستقبل” ماذا تبقى من وعود التحول؟

الإنفاق العسكري الضخم ليس مجرد بند مالي، بل مؤشر سياسي واقتصادي على طبيعة المرحلة المقبلة. حين تضطر دولة إلى رفع ميزانية الدفاع بهذا الشكل، فهذا يعني أنها تشعر بأن المخاطر المحيطة بها أكبر من قدرتها على الاحتمال.

المشكلة أن السعودية لا تواجه فقط تحديًا أمنيًا، بل أزمة ثقة في نموذجها الاقتصادي نفسه. المشاريع التي كان يُفترض أن تقود التحول الاقتصادي أصبحت عبئًا ماليًا، والاستثمارات العالمية لم تحقق العوائد الموعودة، والاقتصاد لا يزال رهينة للنفط.

في هذا السياق، يصبح رفع الإنفاق العسكري أشبه باعتراف غير مباشر بأن “الرؤية” لم تنجح في خلق الاستقرار الذي وُعد به السعوديون والعالم.

 “الرؤية تحت القصف”حين تتحول المليارات من التنمية إلى التحصين

ما تكشفه زيادة الإنفاق الدفاعي السعودي ليس فقط تصاعد القلق من الحرب، بل انهيار الأولويات التي بُنيت عليها “رؤية 2030”. الدولة التي قالت إنها ستقود المنطقة اقتصاديًا وثقافيًا تعود اليوم إلى نقطة البداية: دولة خائفة، تنفق أكثر على السلاح لأنها لم تنجح في بناء استقرار حقيقي.

الحقيقة القاسية أن الحرب الأخيرة لم تضرب فقط الأمن الإقليمي، بل ضربت السردية التي حاول محمد بن سلمان بناءها طوال عقد كامل. فكل مليار يذهب اليوم إلى الصواريخ والدفاعات الجوية هو مليار يُسحب من المشاريع والاستثمارات والوعود التي قيل إنها ستبني “السعودية الجديدة”.

وفي النهاية، تكشف الأرقام شيئًا واحدًا بوضوح: حين تدخل الدول مرحلة الخوف، تصبح المدافع أهم من التنمية، ويصبح البقاء السياسي أولوية تتقدم على كل الأحلام الاقتصادية، مهما كانت براقة في الإعلانات والمؤتمرات.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية