بينما تواصل الحكومة السعودية الترويج لافتتاح حدائق الملك عبدالله “كاقا” باعتبارها إحدى أبرز الوجهات الصيفية الجديدة في الرياض، تكشف صور الأقمار الصناعية عن مشهد مختلف يثير كثيرًا من التساؤلات حول الفجوة المتزايدة بين الحملات الدعائية والواقع على الأرض.
فالصور الملتقطة في التاريخ نفسه الذي أُعلن فيه استعداد المشروع لاستقبال الزوار تُظهر، وفق ما يتم تداوله، مساحات واسعة تبدو خالية من الغطاء الأخضر، في تناقض واضح مع الصورة التي تروج لها الحملات الرسمية لمشروع يُفترض أن يوفر بيئة خضراء بدرجات حرارة تقارب 21 درجة مئوية وسط صيف الرياض الذي تتجاوز حرارته الأربعين.
القضية هنا لا تتعلق بحديقة فقط، بل بنمط بات يتكرر في عدد من المشاريع الكبرى، حيث يسبق الإعلان الإعلامي اكتمال التنفيذ الفعلي، لتتحول الصورة التسويقية إلى هدف بحد ذاتها، حتى وإن لم يكتمل المشروع بالشكل الذي وُعد به.
الدعاية تسبق الإنجاز
خلال السنوات الأخيرة، اعتمدت السعودية بصورة متزايدة على إطلاق حملات إعلامية ضخمة قبل اكتمال المشاريع، في محاولة لترسيخ صورة “التحول السريع” الذي تعيشه المملكة.
لكن مع تكرار ظهور صور وتقارير تكشف فجوات بين الرسومات الترويجية والواقع، بدأت هذه الاستراتيجية تواجه تحديًا متزايدًا.
فالنجاح لا يُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية أو مقاطع الفيديو الترويجية، وإنما بما يراه المواطن والزائر عند وصوله إلى المشروع.
وعندما تختلف الصورة الواقعية عن الصورة المعلنة، فإن الضرر لا يصيب المشروع وحده، بل يمتد إلى مصداقية الخطاب الرسمي نفسه.
المشهد يتكرر من نيوم إلى الرياض
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها المشاريع السعودية انتقادات بسبب الفجوة بين الوعود والتنفيذ.
فقد سبقت ذلك تقارير دولية تناولت تعثر بعض مشاريع نيوم، والانتقادات التي طالت جزيرة سندالة، وإعادة تقييم عدد من المشاريع العملاقة، إضافة إلى مراجعات واسعة في خطط الإنفاق.
واليوم، يأتي الجدل حول حدائق الملك عبدالله ليضيف مثالًا جديدًا على الإشكالية ذاتها: الإعلان عن مشروع بوصفه جاهزًا، بينما تشير الوقائع المتداولة إلى أن التنفيذ لم يصل بعد إلى الصورة التي رُسمت للجمهور.
المواطن يبحث عن الواقع لا عن الإعلانات
في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تشهدها الرياض خلال الصيف، تمثل المشاريع البيئية والمتنزهات حاجة حقيقية للسكان، وليست مجرد عنصر تجميلي ضمن حملات الترويج.
ولهذا، فإن أي تأخير أو فجوة بين الإعلان والتنفيذ تتحول إلى قضية تمس ثقة الجمهور، خصوصًا عندما تُطرح المشاريع باعتبارها حلولًا نوعية لتحسين جودة الحياة.
فالناس لا تقارن بين التصاميم الهندسية والبيانات الصحفية، بل بين ما وُعدوا به وما يجدونه على أرض الواقع.
المشكلة ليست في المشروع بل في إدارة التوقعات
قد يكتمل المشروع لاحقًا ويحقق أهدافه، لكن الإشكالية تكمن في تقديمه للجمهور قبل أن يصبح جاهزًا بالصورة التي رُوج لها.
فالمبالغة في التسويق قد تحقق زخمًا إعلاميًا مؤقتًا، لكنها ترفع سقف التوقعات إلى مستوى يصعب تحقيقه، وعندما يكتشف الناس أن الواقع أقل من الصورة المعلنة، تتحول الدعاية نفسها إلى عامل يضعف الثقة بدلًا من تعزيزها.
المصداقية أهم من سرعة الإعلان
تسعى السعودية إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا عالميًا في التنمية الحضرية وجودة الحياة، لكن تحقيق هذا الهدف لا يعتمد فقط على حجم المشاريع، بل على مصداقية ما يُعلن بشأنها.
فالمشاريع الكبرى تُقاس بما تنجزه فعليًا، لا بما يُقال عنها قبل اكتمالها.
وفي النهاية، فإن أي مشروع يمكن أن يتأخر أو يواجه تحديات تنفيذية، لكن ما يصعب تعويضه هو فقدان الثقة عندما تتحول الرسومات الدعائية إلى بديل عن الواقع، ويصبح الإعلان عن الإنجاز سابقًا للإنجاز نفسه.






