البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
صفقة السلاح التي تكشف ارتهان الأمن السعودي مليارا دولار لشراء حماية لا تمنح استقلالًا

صفقة السلاح التي تكشف ارتهان الأمن السعودي مليارا دولار لشراء حماية لا تمنح استقلالًا

السعودية
السعودية

لم تعد صفقات التسليح السعودية تُقدَّم بوصفها مجرد تحديث للقدرات الدفاعية، بل أصبحت تكشف بصورة متزايدة حجم الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية ومواجهة التهديدات الإقليمية. فإقرار واشنطن صفقة جديدة للسعودية بقيمة تقارب 1.96 مليار دولار، تشمل عشرين ألف منظومة توجيه دقيق من طراز APKWS-II، يعيد طرح السؤال الذي يلاحق الرياض منذ سنوات: كيف تنفق المملكة مئات المليارات على السلاح، ثم تبقى في كل أزمة بحاجة إلى موافقة أمريكية جديدة وشحنة أمريكية جديدة وخبراء أمريكيين جدد كي تستطيع حماية أجوائها؟

الصفقة تُسوَّق رسميًا باعتبارها تعزيزًا لقدرات الدفاع الذاتي، إلا أن مضمونها يكشف واقعًا أقل راحة. فالسعودية لا تشتري مجرد ذخائر، بل تواصل تثبيت تبعيتها لمنظومة عسكرية تُصمَّم وتُنتج وتُدار خارج أراضيها، وتحتاج باستمرار إلى التعاون الفني واللوجستي والاستخباري مع واشنطن. وكلما اتسعت التوترات، ظهر أن ما تملكه المملكة من ترسانة ضخمة لم يمنحها استقلالًا حقيقيًا في القرار الدفاعي، بل جعل أمنها أكثر ارتباطًا بالمورد الأمريكي وشروطه السياسية.

وتأتي الصفقة بالتزامن مع اجتماع عسكري رفيع في الرياض بين رئيس هيئة الأركان السعودي ونائب قائد القيادة المركزية الأمريكية، بما يؤكد أن المسألة لا تتعلق بعملية شراء منفصلة، بل بتوسيع أعمق للارتباط العملياتي بين القوات السعودية والجيش الأمريكي. وهنا يصبح الحديث عن «الدفاع الذاتي» ملتبسًا؛ لأن الدفاع الذي لا يعمل بكفاءة إلا داخل شبكة أمريكية متكاملة لا يمكن وصفه بالاستقلال، مهما بلغ حجم الأموال المدفوعة.

ترسانة ضخمة وعجز متكرر عن بناء منظومة وطنية مستقلة

منذ عقود، تحتل السعودية موقعًا متقدمًا بين أكبر مستوردي السلاح في العالم. تعاقبت الصفقات بمئات المليارات، وشملت الطائرات المقاتلة والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي وأجهزة الرصد والذخائر المتطورة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه المشتريات المتواصلة إلى بناء قاعدة دفاعية وطنية تمنح المملكة حرية الحركة أو تقلل اعتمادها على الخارج.

الصفقة الجديدة تقدم مثالًا واضحًا على استمرار النموذج نفسه. منظومات APKWS-II قد توفر وسيلة أقل كلفة لمواجهة الطائرات المسيّرة وبعض الصواريخ مقارنة باستخدام ذخائر اعتراضية باهظة الثمن، لكن امتلاكها لا يعالج أصل المشكلة: السعودية تستورد الحل بعد ظهور التهديد، بدل أن تمتلك صناعة عسكرية مستقلة تتوقع المخاطر وتنتج أدوات مواجهتها محليًا.

فعلى الرغم من سنوات الحديث عن توطين الصناعات الدفاعية، ما تزال الصفقات الكبرى تذهب إلى الشركات الأمريكية والغربية، وتبقى القيمة التقنية والصناعية الحقيقية خارج المملكة. قد تُعلن نسب محلية أو ترتيبات تجميع وصيانة، لكن المكونات الأساسية والملكية الفكرية وسلاسل التوريد والقدرة على التطوير تظل مرتبطة بالشركات الأجنبية.

وهذا يعني أن كل تصعيد إقليمي يخلق فاتورة جديدة بدل أن يختبر قدرة وطنية تراكمية. تتعرض المنشآت لهجمات، فتشتري الرياض ذخائر إضافية. تتطور المسيّرات، فتطلب أنظمة توجيه جديدة. ترتفع المخاطر، فتزداد الاجتماعات مع القيادة المركزية الأمريكية. أما الاستقلال الدفاعي الذي جرى الحديث عنه مرارًا، فيبقى شعارًا يتراجع أمام أول اختبار عملي.

الأكثر إحراجًا أن المملكة لا تفتقر إلى المال الذي كان يمكن أن يُستخدم لبناء منظومة تصنيع وبحث وتطوير حقيقية. لكنها اختارت طوال سنوات الطريق الأسرع: شراء الجاهز، وربط الأمن الوطني بعقود متتالية مع الموردين الخارجيين. ومع مرور الوقت، تحول هذا الخيار من حل مؤقت إلى تبعية دائمة يصعب كسرها.

واشنطن تبيع السلاح وتحتفظ بمفاتيح التشغيل والنفوذ

لا تمنح الولايات المتحدة السلاح لدولة أخرى باعتباره خدمة محايدة، بل تستخدمه ضمن شبكة من المصالح والالتزامات السياسية. وعندما تصف وزارة الخارجية الأمريكية الصفقة بأنها تعزز «التشغيل المشترك» مع القوات الأمريكية والإقليمية وحلف الناتو، فإنها تكشف بوضوح أن الهدف لا يقتصر على حماية السعودية، بل دمج قواتها بصورة أعمق داخل الهيكل العسكري الذي تقوده واشنطن.

هذا الدمج يمنح الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا في عقيدة التسليح والتدريب والتشغيل وتحديد مصادر الخطر. فكلما زادت المنظومات الأمريكية داخل الجيش السعودي، أصبح من الأصعب على الرياض اتخاذ مسار دفاعي مستقل أو التحول سريعًا إلى موردين آخرين. فالذخائر تحتاج إلى منصات متوافقة، والمنصات تحتاج إلى صيانة وتحديث، والعمليات تحتاج إلى تبادل معلومات وتدريب وخبرات لا توفرها إلا الجهة المصنّعة وحلفاؤها.

وبذلك لا تنتهي الصفقة عند دفع 1.96 مليار دولار، بل تبدأ منها سلسلة طويلة من التكاليف المستقبلية: قطع الغيار، والتدريب، والصيانة، والتحديثات، وإعادة الإمداد، والدعم الفني. إنها علاقة استهلاكية مستمرة، لا صفقة لمرة واحدة.

ويمنح هذا الاعتماد واشنطن ورقة ضغط جاهزة. ففي أي خلاف سياسي، تستطيع الإدارة الأمريكية التلويح بتأخير التسليم أو وقف الدعم أو تعليق الذخائر أو فرض شروط جديدة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن السلاح الأمريكي ليس منفصلًا عن السياسة، وأن الحماية التي تدفع السعودية ثمنها يمكن أن تتحول في لحظة إلى أداة ابتزاز.

لهذا فإن الصفقة الجديدة لا تعني فقط أن الرياض حصلت على عشرين ألف نظام توجيه، بل تعني أيضًا أنها عمّقت اعتمادها على دولة لا تقدم ضماناتها الأمنية مجانًا ولا بصورة غير مشروطة. وكلما ارتفعت فاتورة التسليح، ارتفعت معها كلفة الخلاف مع واشنطن، وتقلص هامش القرار السعودي المستقل.

أولوية السلاح تتقدم بينما تتراجع الأولويات الداخلية

تأتي صفقة الملياري دولار في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا مالية متزايدة، وعجزًا في الميزانية، وارتفاعًا في الاقتراض، وتقليصًا لبعض المشاريع، وإعادة ترتيب واسعة لأولويات الإنفاق. ومع ذلك، يبقى الإنفاق العسكري محصنًا إلى حد كبير من المراجعة، وكأن المواطن مطالب بتحمل الرسوم والضرائب وارتفاع الأسعار، بينما تستمر مليارات التسليح في التدفق بلا نقاش عام أو رقابة مستقلة.

ولا يمكن فصل هذه الصفقة عن الزيادة الأخيرة في الإنفاق الدفاعي السعودي، ولا عن تكاليف حماية المنشآت النفطية والقواعد والمطارات والبنية التحتية. فالحرب الإقليمية لم تكشف فقط نقاط ضعف الدفاعات، بل فتحت بابًا جديدًا لإنفاق قد يستمر سنوات، مع كل تحديث في أسلحة الخصوم وكل تهديد جديد للطاقة والملاحة.

المشكلة أن هذا الإنفاق لا يولد عائدًا اقتصاديًا محليًا يتناسب مع حجمه. الجزء الأكبر من الأموال يغادر البلاد إلى الشركات الغربية، بينما تظل الوظائف التقنية المتقدمة والمعرفة الصناعية وبراءات الاختراع في الخارج. وبذلك تمول السعودية الصناعات الدفاعية الأمريكية من أموالها، ثم تعود لتشتري منها الحماية في الدورة التالية.

وفي مقابل هذه المليارات، تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة صعوبات في التمويل، وتشتكي البنوك من ضيق السيولة، وتُراجع مشروعات تنموية بسبب ارتفاع التكاليف، ويُطلب من المواطنين قبول مزيد من إجراءات التقشف. هذه المفارقة تكشف خللًا واضحًا في سلم الأولويات: عندما يتعلق الأمر بصفقات السلاح، تتوفر الأموال سريعًا؛ وعندما يتعلق الأمر ببناء قاعدة إنتاجية محلية أو دعم الاحتياجات الاجتماعية، يظهر فجأة خطاب الكفاءة والترشيد.

السلاح الأمريكي لا يشتري سيادة ولا يضمن أمنًا دائمًا

قد تكون منظومة APKWS-II مفيدة عملياتيًا، وقد تمنح القوات السعودية خيارًا أقل كلفة في مواجهة بعض الطائرات المسيّرة، لكن الصفقة لا تعالج جوهر المعضلة الأمنية السعودية. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بتكديس الذخائر المستوردة، بل بامتلاك قرار مستقل، وصناعة دفاعية وطنية، وقدرة استخبارية متقدمة، وسياسة خارجية تقلل احتمالات استهداف البلاد.

أما مواصلة شراء منظومة بعد أخرى من المورد نفسه، فيعني أن السعودية تعالج نتائج الأزمة لا أسبابها، وتدفع المليارات مقابل حماية مؤقتة لا تحررها من التبعية.

الأكثر خطورة أن اعتماد المملكة على التشغيل المشترك مع الجيش الأمريكي يجعلها جزءًا من حسابات واشنطن العسكرية في المنطقة، حتى عندما لا تتوافق تلك الحسابات مع مصالحها. فالقواعد والمنظومات والتنسيق والاستخبارات قد تتحول جميعها إلى شبكة تسحب الرياض نحو مواجهات لم تختَر توقيتها، ثم تتركها تدفع الكلفة الاقتصادية والأمنية.

ملياران جديدان.. والتبعية هي السلاح الأكثر ثباتًا

تكشف الصفقة الجديدة حقيقة لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءها: السعودية أنفقت لعقود على واحدة من أكبر الترسانات في المنطقة، لكنها لم تشترِ استقلالًا دفاعيًا. كل تهديد جديد يعيدها إلى أبواب واشنطن، وكل أزمة تتحول إلى عقد جديد، وكل عقد يربط أمن المملكة أكثر بالشركات والقيادة العسكرية الأمريكية.

قد تصل عشرون ألف منظومة توجيه إلى المخازن السعودية، لكن السؤال الحقيقي ليس عدد الذخائر، بل من يملك المعرفة والتحديث وقرار الإمداد. وطالما بقيت هذه المفاتيح خارج المملكة، فإن مليارات السلاح لن تكون دليل قوة كاملة، بل شهادة متجددة على أن الأمن السعودي ما زال مستأجرًا من الخارج، وأن فاتورته ترتفع كلما اهتزت المنطقة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية