البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
من الريتز كارلتون إلى صناديق كوشنر ومنوشين كيف تحولت أموال السعودية إلى ثمن للنفوذ في دائرة ترامب؟

من الريتز كارلتون إلى صناديق كوشنر ومنوشين كيف تحولت أموال السعودية إلى ثمن للنفوذ في دائرة ترامب؟

كوشنر
كوشنر

لم تعد العلاقة التي نسجها محمد بن سلمان مع الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُقرأ باعتبارها مجرد شراكة سياسية بين دولتين، بل باتت تُقدَّم في عدد متزايد من التقارير والوثائقيات الغربية بوصفها نموذجًا لتداخل النفوذ السياسي مع المال والاستثمارات الشخصية. فبينما تكشف وثائق وبرامج استقصائية عن دور لعبه جاريد كوشنر في محطات مفصلية داخل المملكة، تظهر في المقابل استثمارات بمليارات الدولارات ذهبت إلى صناديق يديرها مسؤولون سابقون في إدارة ترامب، بعضهم استخدم هذه الأموال في الاستثمار بشركات إسرائيلية أو مشاريع أثارت جدلًا واسعًا.

وعند جمع هذه الوقائع معًا، تتشكل صورة تثير تساؤلات عميقة حول الكيفية التي أُديرت بها العلاقة مع إدارة ترامب، وما إذا كانت الثروة السعودية استُخدمت لتعزيز المصالح الوطنية، أم تحولت إلى أداة لبناء شبكة نفوذ شخصية مع شخصيات نافذة داخل البيت الأبيض السابق.

الريتز كارلتون قرار داخلي أم ضوء أخضر خارجي؟

من أكثر ما يلفت الانتباه ما أورده وثائقي بثته شبكة PBS، والذي أشار إلى أن جاريد كوشنر أجرى زيارة غير معلنة إلى السعودية قبل أيام من حملة اعتقالات الريتز كارلتون عام 2017، حيث عقد لقاءات مطولة مع محمد بن سلمان استمرت حتى ساعات متأخرة من الليل.

وتزداد حساسية هذه الرواية مع ما نُقل عن أن ولي العهد كان يسعى للحصول على موافقة أو دعم من كوشنر قبل المضي في واحدة من أكثر الخطوات السياسية والاقتصادية إثارة للجدل في تاريخ المملكة الحديث.

وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تطرح سؤالًا بالغ الخطورة: كيف أصبح مسؤول أمريكي غير منتخب طرفًا حاضرًا – ولو بصورة غير مباشرة – في حدث داخلي غيّر موازين القوى الاقتصادية والسياسية داخل السعودية؟

فالريتز كارلتون لم يكن مجرد حملة لمكافحة الفساد كما قُدم رسميًا، بل كان نقطة تحول أعادت توزيع النفوذ والثروة داخل المملكة، وشملت أمراء ووزراء ورجال أعمال بارزين.

ولهذا فإن أي حديث عن دور خارجي في تلك المرحلة يضيف بعدًا جديدًا للنقاش حول استقلالية القرار السياسي السعودي.

كوشنر الطريق الأقصر إلى البيت الأبيض

لا يقف الأمر عند زيارة الريتز كارلتون.

فوثائقي PBS نفسه يوضح أن الحكومة السعودية رأت في جاريد كوشنر البوابة الأكثر تأثيرًا للوصول إلى إدارة ترامب.

ولتحقيق هذا الهدف، لم تعتمد الرياض على الدبلوماسية التقليدية وحدها، بل لجأت إلى استخدام أدوات اقتصادية واستثمارية واسعة، شملت ضخ أموال في مشاريع داخل ولايات تُعد معاقل انتخابية للحزب الجمهوري.

هذه الاستراتيجية تعكس تحولًا واضحًا في أسلوب إدارة العلاقات الخارجية، حيث أصبح الاستثمار المالي وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي، بدلًا من الاكتفاء بالقنوات الرسمية بين الحكومات.

لكن هذا النهج يثير تساؤلات عن حدود الفصل بين الاستثمار المشروع والسعي إلى كسب التأثير السياسي عبر العلاقات الشخصية.

فالدول تبني تحالفاتها عادة على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، لا على الأشخاص الذين قد يغادرون مواقعهم مع تغير الإدارات.

منوشين مليار دولار يثير الأسئلة

ولم يكن جاريد كوشنر الشخصية الوحيدة التي استفادت من هذا المسار.

فوزير الخزانة الأمريكي السابق ستيفن منوشين حصل أيضًا على مليار دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي لصالح صندوقه الاستثماري الخاص، في خطوة أثارت منذ إعلانها موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية.

وتضاعفت الانتقادات عندما استثمر الصندوق في شركات من بينها شركة إسرائيلية متخصصة في الأمن السيبراني، قبل أن تواجه تلك الشركة لاحقًا أزمات مالية حادة أوصلتها إلى حافة الإفلاس.

وبذلك لم تقتصر علامات الاستفهام على دوافع الاستثمار، بل امتدت أيضًا إلى جدواه الاقتصادية.

فإذا كانت الأموال العامة تُدار وفق معايير استثمارية صارمة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال حول أسباب ضخ هذا الحجم من التمويل في مشاريع لم تحقق النتائج المرجوة، ولماذا تحمل الصندوق السيادي السعودي هذه المخاطر.

أموال الدولة بين الاستثمار والنفوذ

عند النظر إلى هذه الملفات مجتمعة، يظهر نمط متكرر.

شخصيات نافذة في إدارة ترامب تحصل على استثمارات سعودية ضخمة، بينما تتوثق العلاقات السياسية بصورة غير مسبوقة بين الرياض والبيت الأبيض.

هذا التزامن دفع كثيرًا من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الاستثمارات خضعت فقط لمعايير الجدوى الاقتصادية، أم أنها كانت أيضًا جزءًا من استراتيجية لبناء النفوذ السياسي داخل واشنطن.

والمشكلة في هذا النهج أنه يخلط بين المال العام والمصالح السياسية بطريقة تجعل تقييم نجاح الاستثمارات أكثر تعقيدًا.

فحتى إذا حقق بعضها أرباحًا، يبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت اعتبارات السياسة قد أثرت في قرارات كان يفترض أن تُبنى على الحسابات الاقتصادية وحدها.

النفوذ الشخصي سياسة عالية الكلفة

تكشف هذه الوقائع أن الرهان السعودي خلال تلك المرحلة لم يكن على المؤسسات الأمريكية بقدر ما كان على شبكة العلاقات الشخصية المحيطة بالرئيس ترامب.

غير أن هذا النوع من الرهانات يحمل مخاطر كبيرة.

فالإدارات تتغير، والمسؤولون يغادرون مواقعهم، بينما تبقى الأموال التي أُنفقت والاستثمارات التي أُبرمت جزءًا من التزامات طويلة الأجل.

وقد أظهرت التجربة أن بناء النفوذ عبر الأشخاص قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه لا يضمن استقرار العلاقات عندما تتغير موازين السياسة في واشنطن.

في الوقت الذي كانت فيه الحكومة السعودية تتحدث عن ضرورة ترشيد الإنفاق، وتنويع الاقتصاد، وتعظيم كفاءة الاستثمارات، كانت مليارات الدولارات تتجه إلى صناديق يديرها مسؤولون أمريكيون سابقون، في صفقات ما زالت تثير نقاشًا واسعًا حول دوافعها ونتائجها.

كما أن بعض هذه الأموال انتهى إلى استثمارات لم تحقق النجاح المتوقع، الأمر الذي يضاعف الأسئلة حول آليات اتخاذ القرار داخل الصندوق السيادي، ومدى خضوع هذه القرارات لاعتبارات استثمارية بحتة.

السياسة بثمن المليارات

تكشف هذه الملفات مجتمعة أن العلاقة مع إدارة ترامب لم تقتصر على التحالف السياسي أو الأمني، بل امتدت إلى مساحات مالية واستثمارية غير مسبوقة، جعلت المال السعودي حاضرًا بقوة في دوائر النفوذ المرتبطة بالرئيس الأمريكي السابق.

وبين الحديث عن دور كوشنر في مرحلة الريتز كارلتون، والاستثمارات التي وُجهت إلى صندوقه، والمليار دولار الذي حصل عليه ستيفن منوشين قبل أن يوجه جزءًا من استثماراته إلى شركات إسرائيلية، تتشكل صورة تثير أسئلة يصعب تجاهلها حول طبيعة الأولويات التي حكمت إدارة الثروة السعودية خلال تلك المرحلة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل كانت هذه المليارات استثمارًا يخدم المصالح الاستراتيجية للمملكة ويحقق عوائد مستدامة، أم أنها كانت ثمنًا باهظًا لبناء شبكة علاقات سياسية مع شخصيات نافذة، انتهى بعضها بخسائر مالية، بينما بقيت كلفة هذه الخيارات تتحملها الأموال العامة السعودية؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية