بينما تحاول السعودية تقديم استثمارها الضخم في شركة لوسيد موتورز بوصفه أحد أعمدة التحول الصناعي ورؤية 2030، تكشف التطورات الأخيرة أن الشركة لا تزال تدور في دائرة الخسائر، وسط تراجع حاد في ثقة الأسواق، وانخفاضات متواصلة في قيمة السهم، واضطرار الإدارة إلى الاستعانة بمستشار متخصص في تحسين الأداء، في خطوة أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول مستقبل الشركة وجدوى استمرار ضخ الأموال السعودية فيها.
فبحسب ما نقلته وول ستريت جورنال، أكدت لوسيد تعيين شركة AlixPartners، وهي من أشهر شركات الاستشارات المتخصصة في معالجة الأزمات التشغيلية وتحسين الأداء، لكنها سارعت في الوقت نفسه إلى نفي أن تكون الشركة تدرس خيار الإفلاس أو إعادة الهيكلة المالية.
ورغم هذا النفي، لم ينجح بيان الشركة في تهدئة الأسواق، إذ أغلق السهم منخفضًا بنحو 16%، بعدما كان قد فقد خلال جلسة التداول ما يصل إلى 55% من قيمته في ذروة الهبوط، وهو ما يعكس حجم القلق بين المستثمرين بشأن مستقبل الشركة، بغض النظر عن الرسائل التطمينية الصادرة عنها.
حين يصبح النفي خبرًا بحد ذاته
في العادة، لا تلجأ الشركات إلى نفي شائعات الإفلاس إلا عندما تصبح تلك المخاوف مطروحة بقوة داخل الأسواق.
ولهذا، فإن مجرد اضطرار لوسيد إلى التأكيد بأن المستشار المالي لا يعمل على إعادة هيكلة مالية يكشف حجم الضغوط التي تواجهها الشركة، حتى وإن أصرت الإدارة على أن دوره يقتصر على “تحسين التنفيذ وتعزيز العمليات”.
لكن الأسواق لا تقيس الأمور بالبيانات الصحفية وحدها، بل بالأرقام.
والأرقام تقول إن الشركة ما زالت تخسر، وإن المبيعات أقل من الطموحات، وإن السهم فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، وإن الاعتماد على التمويل الخارجي لا يزال قائمًا.
استثمار سعودي بلا نهاية واضحة
بالنسبة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، لم تعد لوسيد مجرد استثمار مالي، بل تحولت إلى مشروع ارتبط بصورة رؤية 2030، وبخطة المملكة لبناء صناعة سيارات كهربائية محلية.
غير أن هذا الارتباط جعل الخروج من الاستثمار أكثر تعقيدًا.
فكل جولة تمويل جديدة، وكل دعم إضافي، يزيدان حجم الأموال التي أصبحت مرتبطة بمصير الشركة، ويجعلان الاعتراف بفشل الرهان أكثر كلفة من الاستمرار فيه.
وهكذا يجد الصندوق نفسه أمام معادلة صعبة: فالتوقف عن الدعم قد يسرّع انهيار الشركة، بينما يعني الاستمرار ضخ المزيد من الأموال في مشروع لم ينجح حتى الآن في إثبات قدرته على تحقيق أرباح مستدامة.
الأسواق لا تقتنع بالوعود
أكدت الشركة أن المستشار لم يقدم أي توصيات إلى مجلس الإدارة حتى الآن، لكن المستثمرين ركزوا على الرسالة الأهم: لماذا تحتاج شركة يفترض أنها في مرحلة نمو إلى الاستعانة بإحدى أشهر شركات إدارة الأزمات التشغيلية؟
فاللجوء إلى هذا النوع من المستشارين غالبًا ما يُفهم على أنه اعتراف ضمني بوجود مشكلات عميقة في الأداء، حتى لو لم تصل إلى مرحلة إعادة الهيكلة أو الإفلاس.
ولهذا جاء رد فعل السوق سريعًا وقاسيًا، لأن المستثمرين ينظرون إلى المستقبل أكثر مما ينظرون إلى البيانات التوضيحية.
الرؤية تصطدم بواقع السوق
عندما أعلنت السعودية استثمارها في لوسيد، قُدمت الصفقة باعتبارها بداية لصناعة سيارات كهربائية تنافس عالميًا، وتخلق وظائف، وتنقل التكنولوجيا إلى المملكة.
لكن بعد سنوات من الاستثمار، ما تزال الشركة تواجه صعوبة في زيادة المبيعات، وتحقيق الكفاءة التشغيلية، وتقليل خسائرها.
وفي المقابل، واصل الصندوق السيادي السعودي ضخ مليارات الدولارات للحفاظ على استمرار الشركة، حتى أصبح كثير من المحللين يعتبرون أن بقاء لوسيد يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم السعودي أكثر من اعتماده على أدائها التجاري.
هل تتحول لوسيد إلى عبء طويل الأمد؟
المشكلة لا تكمن في تعرض شركة ناشئة لخسائر، فذلك أمر شائع في قطاع السيارات الكهربائية، وإنما في طول أمد هذه الخسائر، واستمرار الحاجة إلى التمويل، وتراجع ثقة المستثمرين.
ومع كل انخفاض جديد في السهم، تتراجع قيمة الاستثمار السعودي على الورق، بينما ترتفع احتمالات الحاجة إلى تمويلات إضافية إذا استمرت الشركة في استنزاف السيولة بالمعدل الحالي.
وهنا يبرز السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يمكن لصندوق الاستثمارات العامة أن يواصل لعب دور المنقذ المالي للشركة؟
بين الإنقاذ والاستثمار
الاستثمار الناجح يقوم على توقع تحقيق عوائد مستقبلية، أما عندما يصبح الهدف الأساسي هو منع الشركة من الانهيار، فإن الخط الفاصل بين الاستثمار والإنقاذ يبدأ في التلاشي.
وهذا ما يجعل قضية لوسيد تتجاوز كونها أزمة شركة سيارات، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لسياسة الصندوق السيادي السعودي في إدارة استثماراته الخارجية.
فكل دولار جديد يُضخ في الشركة يجب أن يجيب عن سؤال بسيط: هل يُستخدم لبناء قيمة مستقبلية، أم لتأجيل أزمة قد تعود بشكل أكبر بعد أشهر أو سنوات؟
وفي النهاية، قد تنجح لوسيد في تحسين عملياتها واستعادة ثقة الأسواق، لكن حتى الآن، تشير المؤشرات المالية إلى أن الطريق ما زال طويلًا وشاقًا. وبينما تؤكد الشركة أن الإفلاس ليس مطروحًا، يبدو أن المستثمرين يركزون على ما هو أهم من النفي: الأداء الفعلي، والخسائر المستمرة، والاعتماد المتزايد على الدعم المالي. أما بالنسبة للسعودية، فإن استمرار ارتباط أحد أكبر استثماراتها الخارجية بشركة تواجه هذه الضغوط يثير تساؤلات متزايدة حول الكلفة الحقيقية لهذا الرهان، وما إذا كان سيُسجل يومًا كقصة نجاح صناعي، أم كواحد من أكثر الاستثمارات استنزافًا للموارد في تاريخ صندوق الاستثمارات العامة.






