البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
«مهندسو محنتهم الخاصة»فورين بوليسي: الرياض تدفع ثمن قراراتها وتجد نفسها وحيدة في لحظة الخطر

«مهندسو محنتهم الخاصة»فورين بوليسي: الرياض تدفع ثمن قراراتها وتجد نفسها وحيدة في لحظة الخطر

ليست المشكلة، وفق القراءة التي يقدمها الكاتب الأمريكي ستيفن كوك، أن السعودية وقعت فجأة في منطقة مضطربة تحاصرها الصواريخ والمسيّرات والصراعات. فهذه الجغرافيا لم تتغير. المشكلة، في رأيه، أن الرياض ساهمت بسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية وسوء تقدير الحلفاء والخصوم في تضييق خياراتها، حتى وصلت إلى عام 2026 وهي تواجه تهديدات الحوثيين وإيران، بينما يكتفي كثير من شركائها بالتضامن اللفظي.

في مقاله بـفورين بوليسي، يبدأ كوك من عبارة لافتة: إنه يشعر بـ”الأسف” تجاه السعوديين. لكنه سرعان ما يحول هذا التعاطف إلى اتهام سياسي قاسٍ؛ فجزء معتبر من المحنة الراهنة، بحسب تحليله، لم يُفرض على المملكة بالكامل من الخارج، وإنما صنعته خيارات سعودية افتقرت إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فضّلته الرياض سياسيًا على كامالا هاريس، يظهر في هذه القراءة لا باعتباره طوق النجاة الذي ربما انتظرته، وإنما عنصرًا إضافيًا من عناصر عدم اليقين.

قوة هائلة وحسابات مرتبكة

أول الأخطاء التي يناقشها كوك يتعلق بقصف مدرج مطار صنعاء، وهي واقعة ينسب مسؤولية تنفيذها إلى القوات الجوية السعودية وفق الرواية الحوثية.

ومن المهم هنا التمييز بين الادعاء الحوثي والحقيقة المثبتة بصورة مستقلة. لكن كوك يبني تحليله على فرضية مسؤولية الرياض، ويعتبر أن العملية – إذا كانت السعودية قد نفذتها بالفعل – افتقرت إلى الحساب العقلاني للكلفة والعائد.

فماذا كسبت المملكة، في رأيه، مقابل المخاطر التي ترتبت عليها؟

وجهة نظره أن الرياض كان بإمكانها تجاهل الأمر بدل الدخول في خطوة تمنح الحوثيين مبررًا إضافيًا للتصعيد، في وقت أصبحت فيه البنية التحتية السعودية وممرات تصدير الطاقة أكثر حساسية لأي مواجهة جديدة.

وهنا تظهر المشكلة التي يريد الكاتب إبرازها: امتلاك القدرة العسكرية شيء، ومعرفة متى ينبغي استخدامها شيء آخر تمامًا.

حين جاء الخطر بقي التضامن بيانات

الأشد قسوة في المقال هو توصيفه لموقف دول المنطقة.

فمع تصاعد المواجهة، صدرت الإدانات وعبارات التضامن، لكن الدعم العملي الذي كانت تحتاج إليه الرياض لم يظهر بالحجم المتوقع.

ويستخدم كوك لغة شديدة الحدة في وصف عدد من قادة المنطقة، معتبرًا أنهم أضعف من الدخول في مواجهة حقيقية مع الحوثيين.

وبغض النظر عن قسوة هذا التوصيف، فإن السؤال الذي يطرحه مهم: ما قيمة شبكة التحالفات إذا اكتشفت الدولة عند الاختبار الأمني الحقيقي أنها مطالبة بتحمل العبء الأكبر وحدها؟

لسنوات، استثمرت السعودية سياسيًا واقتصاديًا في بناء العلاقات الإقليمية والدولية. لكن لحظة الخطر تكشف الفارق بين العلاقات الدبلوماسية والتحالفات القادرة فعليًا على تقاسم المخاطر.

الإمارات.. الحليف الذي أبعدته الرياض

ثم يصل كوك إلى ما يعتبره أحد أكثر الأخطاء السعودية وضوحًا: العلاقة مع الإمارات.

فالدولة التي ربما كانت تمتلك، وفق تقييمه، القدرة والاستعداد لتقديم مساعدة أكثر جدية ضد الحوثيين هي نفسها التي تباعدت معها الرياض بعد سنوات من التنافس والخلاف حول ملفات اليمن والمنطقة.

وبذلك، وفق منطق المقال، لم تخسر السعودية مجرد شريك سياسي، وإنما أضعفت بنفسها أحد الخيارات التي كان يمكن أن تصبح مفيدة عندما تغيرت الظروف.

هذه هي المشكلة الكلاسيكية لسوء الإدارة الاستراتيجية: الحليف الذي لا تحتاج إليه اليوم قد يصبح الحليف الذي تتمنى وجوده غدًا.

أرض الصومال حتى الخصومة مع إسرائيل لها كلفة بحسب كوك

أما النقطة الأكثر إثارة للجدل في تحليل الكاتب فتتعلق بأرض الصومال وإسرائيل.

كوك يرى أن الرياض أخطأت بعدم الترحيب، أو على الأقل التسامح، مع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، لأن التعاون بين الطرفين يمكن – وفق منطقه – أن يضع ضغوطًا جغرافية وأمنية إضافية على الحوثيين والحرس الثوري الإيراني.

وهذه بالتأكيد وجهة نظر الكاتب وليست حقيقة موضوعية؛ فالاعتراف بأرض الصومال ملف شديد التعقيد يرتبط بسيادة الصومال ومواقف إقليمية ودولية متعارضة.

لكن أهمية طرحه تكمن في كشف طبيعة المدرسة السياسية التي يدعو السعودية إلى تبنيها: لا صداقات دائمة، ولا خصومات عاطفية، وإنما حساب صارم للمصلحة.

راهنت الرياض على ترامب ثم غيّر ترامب شروط الصفقة

المفارقة الأكثر إحراجًا في المقال تتعلق بواشنطن.

فالسعوديون، بحسب كوك، كانوا يفضلون عودة ترامب على فوز كامالا هاريس. لكن الرجل الذي اعتُبر أكثر قربًا من الرياض لم يمنحها بالضرورة البيئة الاستراتيجية التي كانت تنتظرها.

والنموذج الأوضح هو الاتفاق النووي.

بعد توصل السعودية وإدارة ترامب إلى تفاهم بشأن التعاون النووي، ظهرت محاولة ربط تنفيذ الاتفاق بتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية.

وهكذا تحولت ورقة كانت الرياض تريدها لتعزيز برنامجها النووي المدني إلى أداة ضغط عليها في ملف سياسي آخر.

إنها مفارقة قاسية: تستثمر في العلاقة مع واشنطن، ثم تكتشف أن واشنطن تستخدم ما تريده أنت للحصول على ما تريده هي.

شراء العلاقات لا يشتري الولاءات

لكن الاتهام الأعمق الذي يوجهه كوك للسياسة السعودية يتعلق بفلسفة العلاقات الخارجية نفسها.

فهو ينتقد ما يصفه بسياسة شراء ولاءات الأشخاص الذين قد يشكلون خطرًا أو الذين يُعتقد أنهم قادرون على خدمة المصالح السعودية.

المشكلة أن المال يستطيع شراء صفقة أو استثمار أو عقد، لكنه لا يضمن تطابق المصالح إلى الأبد.

قد يحصل سياسي على الاستثمارات السعودية ثم يتخذ قرارًا يناقض مصالح الرياض. وقد تستفيد دولة من الأموال السعودية ثم ترفض الدخول في حرب من أجلها. وقد يحصل شريك على عقود ضخمة دون أن يتحول ذلك تلقائيًا إلى ضمانة أمنية.

الاستثمار يستطيع شراء النفوذ، لكنه لا يستطيع إلغاء حقيقة أن كل طرف سيضع مصالحه أولًا عندما تأتي ساعة الاختبار.

2026.. عام انكشاف الحسابات

لهذا يصف كوك 2026 بأنه عام بالغ الصعوبة بالنسبة للسعودية.

فالرياض كانت تريد، وفق قراءته، حماية مشروعها الاقتصادي من اضطرابات المنطقة والتركيز على الاستثمار والسياحة والمشاريع الكبرى.

لكن الجغرافيا رفضت التعاون مع هذه الرغبة.

إيران موجودة.

الحوثيون موجودون.

باب المندب موجود.

هرمز موجود.

والصراعات الإقليمية لا تختفي لأن رؤية اقتصادية حددت عام 2030 موعدًا لتحقيق أهدافها.

بل إن كل اضطراب أمني أصبح قادرًا على ضرب أكثر الملفات حساسية: النفط، والاستثمار، والسياحة، وتكاليف التأمين، والموازنة، والمشاريع العملاقة.

المشكلة ليست قلة المال بل جودة القرار

وهذه ربما تكون الخلاصة الأخطر في مقال فورين بوليسي.

السعودية لا تعاني نقصًا في الموارد بالمفهوم التقليدي. لديها النفط، وصندوق سيادي ضخم، وموقع جغرافي استراتيجي، وعلاقات مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا وقوى إقليمية متعددة.

ومع ذلك، فإن امتلاك الأدوات لا يضمن حسن استخدامها.

ما ينتقده كوك هو غياب استراتيجية متماسكة تجعل هذه الموارد تعمل معًا لتحقيق هدف واضح، بدل الانتقال من رهان إلى آخر ثم اكتشاف تناقض المصالح بعد وقوع الأزمة.

«مهندسو محنتهم الخاصة»

لا يعفي الكاتب إيران أو الحوثيين أو إدارة ترامب من المسؤولية عن الأزمة التي تواجهها الرياض. بل يقر صراحة بأن السعودية موجودة في بيئة جغرافية شديدة الصعوبة.

لكن حكمه النهائي أشد إدانة من تحميل الخصوم المسؤولية.

فالدول لا تختار جيرانها، لكنها تختار سياساتها.

ولا تستطيع الرياض التحكم في طهران أو صنعاء أو واشنطن أو تل أبيب، لكنها تستطيع أن تقرر كيف تدير علاقاتها معها.

ومن هنا تأتي رسالته: على القيادة السعودية، بحسب رأيه، أن تتوقف عن السماح للمبادئ والعواطف والرهانات الشخصية بالتغلب على الحساب الاستراتيجي، وأن تفهم البيئة المحيطة بها كما هي، لا كما تتمنى أن تكون.

فبعد سنوات من الإنفاق على النفوذ، والتحالفات، والعلاقات الشخصية والاستثمارات العابرة للقارات، جاء عام 2026 ليطرح السؤال الأكثر إزعاجًا: إذا وجدت السعودية نفسها عند الخطر محاصرة بالخصوم، متباعدة مع حليفها الإماراتي، معرضة لضغوط واشنطن، وتبحث عن تفاهمات تحمي ممرات نفطها، فما الذي اشترته كل تلك الاستثمارات السياسية بالفعل؟

وهنا تصبح عبارة كوك «السعوديون مهندسو محنتهم الخاصة» أكثر من عنوان استفزازي. إنها اتهام كامل لنمط في صناعة القرار: أن تمتلك المال والقوة والعلاقات، ثم تسيء ترتيبها إلى درجة تجعل الآخرين، في اللحظة الحاسمة، أكثر قدرة منك على تحديد خياراتك ومستقبلك.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية