البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
مليار دولار تتبخر في أشهر لوسيد تواصل استنزاف المال السعودي رغم المبيعات الحكومية وطوق نجاة الوليد بن طلال

مليار دولار تتبخر في أشهر لوسيد تواصل استنزاف المال السعودي رغم المبيعات الحكومية وطوق نجاة الوليد بن طلال

بعد سنوات من ضخ الأموال السعودية في شركة لوسيد موتورز، ما تزال الشركة بعيدة عن اللحظة التي يمكن فيها وصفها بأنها استثمار قادر على الوقوف على قدميه. فوفقًا للأرقام التي أوردها موقع Stocktwits استنادًا إلى تقديرات مؤسسة كانتور فيتزجيرالد، تواجه الشركة خسارة صافية متوقعة تبلغ نحو 886.3 مليون دولار، بالتزامن مع استنزاف نقدي قد يصل إلى 981 مليون دولار.

الأكثر إثارة للقلق أن هذه الأرقام تأتي رغم الدعم الاستثنائي الذي تتمتع به الشركة من السعودية: صندوق الاستثمارات العامة مستثمر رئيسي، والحكومة السعودية نفسها تعاقدت على شراء عشرات الآلاف من سياراتها، ومشروع صناعي للشركة يُقام داخل المملكة. ثم دخل الأمير الوليد بن طلال إلى المشهد بحصة في الشركة، ما منح السهم دفعة في السوق.

ومع ذلك، تبقى المشكلة الأساسية كما هي: لوسيد تحرق السيولة بوتيرة هائلة، بينما لا تزال مبيعاتها أقل من التوقعات.

346 مليون دولار إيرادات.. مقابل 886 مليونًا من الخسائر

الأرقام وحدها تكشف حجم الاختلال.

تتوقع كانتور فيتزجيرالد إيرادات بنحو 346.7 مليون دولار، وهي أصلًا أقل من إجماع المحللين البالغ 404.2 مليون دولار.

وفي مقابل هذه الإيرادات، تُقدَّر الخسارة الصافية بـ886.3 مليون دولار.

أما الاستنزاف النقدي المتوقع فيصل إلى 981 مليون دولار.

وهذه ليست فجوة صغيرة يمكن تفسيرها بمرحلة توسع عابرة، بل نموذج مالي يحتاج إلى تدفقات رأسمالية مستمرة حتى تستطيع الشركة مواصلة نشاطها إذا لم يتحسن اقتصاد التشغيل بصورة كبيرة.

وهنا يصبح السؤال الذي يلاحق الاستثمار السعودي منذ سنوات أكثر إلحاحًا: متى تتوقف لوسيد عن الحاجة إلى من يمول خسائرها؟

السيارات تخرج من المصانع لكن بأعداد أقل من المتوقع

حتى المؤشر الذي كان يفترض أن يقدم قدرًا من التفاؤل لم يأتِ كما أرادت الشركة.

فقد سلمت لوسيد 3,953 مركبة، مقابل توقعات بلغت 4,618 سيارة.

أي أنها لم تحقق المستوى الذي كان المحللون ينتظرونه أصلًا.

وهذه نقطة جوهرية في صناعة السيارات الكهربائية؛ لأن الشركات الناشئة تحتاج إلى زيادة الإنتاج والمبيعات بصورة كبيرة حتى توزع تكاليفها الثابتة على عدد أكبر من المركبات وتقترب تدريجيًا من الربحية.

أما بقاء أحجام التسليم محدودة مع استمرار المصروفات الهائلة، فيعني أن كل مرحلة جديدة من النمو تحتاج إلى مزيد من السيولة.

والسيولة في حالة لوسيد كان مصدر جزء مهم منها سعوديًا.

الحكومة ليست مستثمرًا فقط بل مشترٍ أيضًا

تتمتع لوسيد بميزة لا تحظى بها غالبية شركات السيارات الكهربائية المتعثرة: وجود دولة مستثمرة فيها ومستعدة في الوقت نفسه لشراء منتجاتها.

فالشركة لديها اتفاق لتوريد ما يصل مبدئيًا إلى 50 ألف سيارة للحكومة السعودية، مع خيار شراء 50 ألفًا إضافية.

أي أن السعودية لا توفر رأس المال للشركة فحسب، بل توفر لها أيضًا طلبًا مضمونًا على عشرات الآلاف من المركبات.

وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية.

فحين يحتاج الاستثمار إلى المساهم السعودي لتمويل الشركة، ثم تحتاج الشركة نفسها إلى الحكومة السعودية لتكون من كبار المشترين، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قوة الطلب المستقل على المنتج بعيدًا عن المظلة السعودية.

فالاختبار الحقيقي لأي شركة سيارات ليس قدرتها على بيع مركباتها لمساهمها الأكبر أو للجهات المرتبطة به، وإنما قدرتها على إقناع المستهلك العالمي بشرائها بأعداد تكفي لتحقيق الربحية.

الوليد بن طلال يدخل والسهم ينتعش

ثم جاء دخول الأمير الوليد بن طلال إلى الشركة ليمنح السهم دفعة معنوية ومالية في الأسواق.

لكن ارتفاع السهم لا ينبغي الخلط بينه وبين تحسن الأعمال التشغيلية.

السوق يستطيع أن يرتفع في جلسة أو أسبوع استجابة لدخول مستثمر معروف، لكن ذلك لا يخفض تلقائيًا تكلفة تصنيع السيارة، ولا يرفع التسليمات إلى المستوى المطلوب، ولا يمحو مئات الملايين من الدولارات من الخسائر.

ولهذا فإن أي قراءة تعتبر صعود السهم دليلًا على خروج لوسيد من أزمتها تتجاهل المؤشرات الأهم: الإيرادات، والخسائر، والتدفق النقدي، وحجم المبيعات.

أما القول إن الحكومة السعودية “استخدمت” الوليد بن طلال تحديدًا لتحسين وضع الشركة، فلا تثبته الأرقام المذكورة وحدها، ولذلك ينبغي التعامل معه كتفسير سياسي يحتاج إلى دليل مستقل، لا كحقيقة مؤكدة.

المشكلة ليست شهرًا سيئًا

قد تحقق لوسيد ارتفاعًا في السهم، وقد تتحسن تسليماتها في ربع معين، وقد تحصل على تمويل جديد.

لكن السؤال ليس ما إذا كانت تستطيع البقاء عامًا إضافيًا.

السؤال هو: متى يصبح بقاؤها غير محتاج إلى الإنقاذ المتكرر؟

فالشركة المدعومة برأس مال ضخم تستطيع تأجيل لحظة الحساب فترة طويلة. لكن الاستثمار الناجح لا يُقاس بعدد السنوات التي يستطيع المساهم تمويل الخسائر خلالها، وإنما باليوم الذي تبدأ فيه الشركة بتوليد قيمة حقيقية بدل استهلاك رأس المال.

صندوق الاستثمارات أمام معضلة قديمة

هذه تحديدًا هي المعضلة التي تواجه صندوق الاستثمارات العامة مع لوسيد.

كلما ارتفع حجم الأموال التي استثمرها في الشركة، أصبح التخلي عنها أكثر إيلامًا.

لكن ضخ أموال إضافية لمجرد حماية الأموال التي ضُخت سابقًا يحمل مخاطرة معروفة في عالم الاستثمار: أن يتحول إنقاذ الاستثمار القديم إلى مبرر لاستثمار جديد، ثم يصبح الاستثمار الجديد نفسه سببًا لعملية الإنقاذ التالية.

وكل ذلك على أمل الوصول في النهاية إلى الحجم الإنتاجي الذي يسمح للشركة بتحقيق أرباح.

قد تنجح لوسيد في ذلك مستقبلًا، خصوصًا إذا توسعت مبيعاتها وخفضت تكاليفها ونجح مصنعها السعودي. لكن الأرقام الحالية لا تسمح باعتبار هذه النتيجة أمرًا محسومًا.

من الرهان على المستقبل إلى اختبار العائد

قُدم الاستثمار في لوسيد منذ البداية باعتباره بوابة السعودية إلى صناعة السيارات الكهربائية، وليس مجرد استثمار مالي قصير الأجل.

ومن هذه الزاوية، يمكن الدفاع عن تحمل خسائر أولية مقابل بناء صناعة جديدة ونقل التكنولوجيا وإنشاء سلسلة توريد محلية.

لكن حتى الاستثمار الاستراتيجي لا يحصل على إعفاء دائم من الحساب.

بعد سنوات من التمويل، يصبح من الضروري السؤال عن حجم الوظائف المستدامة، ونسبة المكونات المصنعة محليًا، والقيمة التقنية المنقولة إلى المملكة، وحجم الصادرات، والعائد الاقتصادي الفعلي مقابل الأموال التي ضُخت.

وإلا أصبحت عبارة “استثمار استراتيجي طويل الأجل” غطاءً يسمح بتأجيل تقييم النتائج إلى أجل غير محدد.

لوسيد أمام الامتحان الذي لا يستطيع المال تأجيله إلى الأبد

لا تعني خسارة متوقعة بنحو 886 مليون دولار أن إفلاس لوسيد أصبح حتميًا، كما لا يعني استنزاف قرابة مليار دولار من النقد أن الشركة لا تستطيع تحسين وضعها مستقبلًا.

لكن الأرقام تقول شيئًا أبسط وأكثر قسوة: حتى الآن، لم يثبت نموذج لوسيد قدرته على تحقيق الاستدامة المالية التي تبرر حجم الرهان السعودي عليه.

فالشركة لديها مساهم سعودي ضخم، وعقود شراء حكومية بعشرات الآلاف من السيارات، ومشروع تصنيع داخل المملكة، ومستثمر سعودي بارز دخل حديثًا إلى المشهد.

ومع كل هذه المساندة، ما تزال التقديرات تتحدث عن إيرادات دون توقعات المحللين، وتسليمات أقل من المنتظر، وخسائر تقترب من 900 مليون دولار، ونزيف نقدي يقارب المليار.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إحراجًا: المشكلة لم تعد في قدرة السعودية على إبقاء لوسيد حيّة؛ فالمال يستطيع فعل ذلك فترة طويلة. المشكلة في إثبات أن لوسيد تستطيع يومًا أن تعيش من بيع سياراتها، لا من استمرار وصول المال إليها.

فإذا كانت الشركة تحتاج إلى المستثمر السعودي لتمويلها، والحكومة السعودية لشراء سياراتها، ثم إلى المزيد من رؤوس الأموال كلما استمر النزيف، فإن السؤال لم يعد كم ستضخ الرياض لإنقاذ الرهان، بل: كم يجب أن تخسر قبل أن يصبح من الضروري إعادة تقييم الرهان نفسه؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية