البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
رؤية 2030 تتعثرالاقتصاد السعودي يسجل أسوأ انكماش منذ جائحة كورونا رغم كل الوعود

رؤية 2030 تتعثرالاقتصاد السعودي يسجل أسوأ انكماش منذ جائحة كورونا رغم كل الوعود

بعد سنوات من الخطابات التي بشّرت باقتصاد متنوع، ونمو مستدام، واستقلال تدريجي عن النفط، جاءت أرقام الربع الثاني لتوجه ضربة قاسية للرواية الرسمية. فبحسب ما نقلته سيمافور، انكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8%، ليسجل أسوأ أداء فصلي منذ جائحة كورونا، في مؤشر يعكس هشاشة النمو أمام أي صدمة تمس قطاع النفط، رغم مئات المليارات التي أُنفقت تحت شعار “تنويع الاقتصاد”.

الأكثر لفتًا للنظر أن الأزمة لم تقتصر على القطاع النفطي. فالقطاع غير النفطي، الذي يُفترض أنه أصبح محرك النمو الجديد في رؤية 2030، لم يحقق سوى 0.6% نموًا على أساس سنوي، وهو معدل ضعيف يعكس تباطؤًا واضحًا مقارنة بالسنوات السابقة.

وهكذا، يظهر سؤال لم يعد من السهل تجاهله: إذا كان الاقتصاد غير النفطي لا يستطيع تعويض تراجع النفط بعد كل هذه السنوات من الإنفاق والإصلاحات، فأين ثمار مشروع التحول الاقتصادي؟

صدمة النفط كشفت حقيقة التنويع

أرجع التقرير الانكماش الكبير إلى تراجع الإنتاج النفطي بعد اضطرابات مرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس مباشرة على الناتج المحلي.

لكن المشكلة لا تكمن في تأثر النفط، فهذا أمر طبيعي بالنسبة لدولة ما زال النفط يمثل مصدر دخلها الرئيسي.

المشكلة أن الاقتصاد بأكمله اهتز معه.

فلو كان التنويع الاقتصادي قد بلغ المستوى الذي رُوِّج له، لكان القطاع غير النفطي قادرًا على امتصاص جزء أكبر من الصدمة، أو على الأقل الحد من حجم الانكماش.

أما أن يقود تراجع النفط الاقتصاد إلى أسوأ أداء منذ الجائحة، فهذا يعني أن الاعتماد على النفط ما زال أعمق بكثير مما توحي به الشعارات.

0.6%… هل هذا هو الاقتصاد البديل؟

لسنوات، قُدمت السياحة والترفيه والرياضة والعقارات والتعدين والخدمات اللوجستية باعتبارها أعمدة الاقتصاد الجديد.

لكن عندما جاءت أول أزمة حقيقية، لم ينمُ الاقتصاد غير النفطي سوى 0.6%.

هذا الرقم لا يعكس اقتصادًا يقود النمو، بل قطاعًا يتحرك ببطء شديد.

فبعد الإنفاق الضخم على المدن العملاقة، والملاعب، والفعاليات العالمية، والاستثمارات الخارجية، كان المتوقع أن يكون القطاع غير النفطي أكثر قدرة على الصمود.

لكن الأرقام تشير إلى أن هذه القطاعات لم تصل بعد إلى مرحلة تمكنها من حمل الاقتصاد عندما يتراجع النفط.

كل الطرق تعود إلى أرامكو

رغم الحديث المتكرر عن تنويع مصادر الدخل، فإن الواقع يكشف أن دورة الاقتصاد السعودي ما تزال مرتبطة بإنتاج النفط وأسعاره.

فحين يتراجع الإنتاج، يتراجع النمو.

وحين ترتفع أسعار النفط، تتحسن الإيرادات.

وهذا ما أشار إليه صندوق النقد الدولي نفسه، عندما قال إن ارتفاع الأسعار قد يعوض جزئيًا انخفاض حجم الصادرات.

بمعنى آخر، حتى المؤسسات الدولية التي تتحدث عن مرونة الاقتصاد تعود في النهاية إلى العامل نفسه: النفط.

وهذا يعكس أن المملكة لم تتجاوز بعد الحلقة التي سعت رؤية 2030 إلى كسرها.

صندوق النقد إشادة حذرة وتحذير واضح

رغم وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد السعودي بأنه “أثبت مرونته”، فإن التقرير لم يتوقف عند هذه العبارة.

بل أشار أيضًا إلى أن التوقعات لا تزال شديدة الغموض، وأن هناك مخاطر هبوطية تحيط بالاقتصاد.

وهذا الجزء لا يقل أهمية عن الإشادة.

فالاقتصاد الذي يعتمد على متغيرات خارجية مثل أسعار النفط، وحركة الملاحة، والتوترات الإقليمية، يظل معرضًا لصدمات يصعب التحكم بها.

ومع استمرا ر الإنفاق الضخم على المشاريع العملاقة، تصبح الحاجة إلى نمو قوي ومستدام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

المشاريع العملاقة أين أثرها؟

خلال السنوات الأخيرة، استثمرت السعودية مئات المليارات في مشاريع مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، والدرعية، إلى جانب التوسع في الرياضة والترفيه والسياحة.

وكانت الفكرة الأساسية أن تتحول هذه المشاريع إلى محركات للنمو بعيدًا عن النفط.

لكن نتائج الربع الثاني تثير تساؤلات حول سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى قيمة اقتصادية فعلية.

فإذا كان الاقتصاد غير النفطي ينمو بنسبة تقل عن 1% في لحظة يحتاج فيها إلى تعويض تراجع النفط، فإن ذلك يعني أن العوائد الاقتصادية لهذه المشاريع ما تزال أقل من حجم التوقعات.

الاقتصاد بين الطموح والواقع

لا يمكن إنكار أن السعودية قطعت خطوات كبيرة في تطوير قطاعات جديدة وجذب الاستثمارات.

لكن الأرقام الأخيرة تظهر أن بناء اقتصاد متنوع يحتاج إلى وقت أطول مما كان يُعتقد.

فالتحول الاقتصادي لا يُقاس بعدد المشاريع أو قيمتها، بل بقدرتها على خلق إنتاج حقيقي، ووظائف مستدامة، ونمو قادر على الاستمرار حتى عندما يتراجع النفط.

وهذا الاختبار لم ينجح الاقتصاد السعودي في تجاوزه خلال هذا الربع.

انكماش يحمل رسالة

قد يكون تراجع الربع الثاني مرتبطًا بظروف استثنائية في سوق الطاقة والملاحة، لكن الرسالة التي تحملها الأرقام أعمق من ذلك.

فهي تؤكد أن الاقتصاد السعودي ما زال شديد الحساسية تجاه النفط، وأن القطاع غير النفطي لم يبلغ بعد المرحلة التي تجعله قاطرة للنمو كما كان مأمولًا.

وفي النهاية، لا تُقاس نجاحات الخطط الاقتصادية بحجم الإعلانات أو قيمة المشاريع، بل بقدرتها على الصمود عندما تضرب الأزمات. وأرقام هذا الربع تشير إلى أن رؤية 2030 ما تزال تواجه اختبارها الأصعب: إثبات أن الاقتصاد السعودي يستطيع الوقوف على قدميه عندما يتعثر النفط.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية