البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
من أموال الرياض إلى استثمارات مرتبطة بالمستوطنات كوشنر في موقع «صانع السلام» وإسرائيل تترقب الشريك السعودي

من أموال الرياض إلى استثمارات مرتبطة بالمستوطنات كوشنر في موقع «صانع السلام» وإسرائيل تترقب الشريك السعودي

تبدو المفارقة السياسية شديدة الوضوح: جاريد كوشنر، الذي ارتبط اسمه باستثمارات خليجية وسعودية ضخمة، يعود إلى قلب ملف غزة بوصفه أحد الباحثين عن صيغة للسلام، بينما تُثار حول استثمارات صندوقه تساؤلات بشأن ارتباطها بشركات لها أنشطة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يتصاعد في الإعلام الإسرائيلي الحديث عن دول عربية يُنظر إليها بوصفها شركاء محتملين في مرحلة ما بعد الحرب، وسط اهتمام مستمر بموقف السعودية من التطبيع.

إذا ثبتت التفاصيل الاستثمارية المشار إليها، فإن القضية لا تتعلق فقط بتضارب سياسي عابر، وإنما بسؤال جوهري: كيف يمكن لشخص له مصالح مالية مرتبطة بأحد طرفي الصراع أن يُقدَّم وسيطًا في ملف يفترض أن يتعامل فيه مع حقوق الطرف الآخر؟

كوشنر المال السعودي يعود إلى المشهد الفلسطيني

اسم كوشنر ليس جديدًا على السعودية.

بعد مغادرته البيت الأبيض، حصل صندوقه الاستثماري Affinity Partners على استثمار بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وأصبح رأس المال الخليجي عنصرًا أساسيًا في مشروعه الاستثماري.

ومنذ ذلك الحين، أثارت العلاقة تساؤلات أمريكية حول طبيعة الاستثمار وأسباب قبول الصندوق السعودي به.

اليوم تكتسب تلك العلاقة حساسية إضافية إذا كان الرجل نفسه يعود إلى ملف غزة بصفة سياسية مرتبطة بمساعي السلام.

فالمال والسياسة هنا لا يتحركان في مسارين منفصلين.

استثمارات تثير سؤال تضارب المصالح

بحسب المعلومات التي تشير إليها، ارتبطت استثمارات كوشنر بشركات توفر خدمات تأمينية مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وهنا يجب التفريق بين أمرين: وجود استثمار مالي يمكن توثيقه شيء، والقول إن ذلك يثبت مسبقًا انحياز أي تحرك دبلوماسي يقوم به كوشنر شيء آخر يحتاج إلى أدلة على القرارات والمواقف نفسها.

لكن سؤال تضارب المصالح مشروع بحد ذاته.

فالوسيط في نزاع بهذه الحساسية لا يحتاج فقط إلى الادعاء بأنه محايد؛ بل يحتاج إلى قدر كافٍ من الاستقلال عن المصالح الاقتصادية والسياسية للطرفين حتى يثق المتضررون في العملية التي يقودها.

وإذا كانت المصالح الاستثمارية تسير في اتجاه واحد، تصبح المطالبة بالشفافية أكثر إلحاحًا.

المفارقة السعودية أشد

بالنسبة للرياض، تكتسب القضية بعدًا أكثر إحراجًا.

فالأموال السعودية التي استثمرت في صندوق كوشنر لم تُقدم بوصفها منحة، وإنما استثمارًا يُفترض أن يحقق عائدًا. لكن أين استُثمرت هذه الأموال، وما طبيعة الشركات المستفيدة منها، يصبح سؤالًا عامًا مشروعًا عندما يتعلق الأمر باستثمارات مرتبطة بإسرائيل بينما تتمسك السعودية رسميًا بموقفها الداعم لإقامة دولة فلسطينية.

وهنا لا يكفي القول إن الصندوق الاستثماري مستقل في قراراته.

فعندما تضخ جهة سيادية مليارات الدولارات في مدير استثمار يتمتع بعلاقات سياسية وثيقة، يصبح من الطبيعي فحص الوجهة النهائية لهذه الأموال والعوائد التي تحققها والمخاطر السياسية المترتبة عليها.

يدخل غزة بقبعة الوسيط وإسرائيل في المحفظة الاستثمارية

هذه هي المفارقة التي يصعب تجاوزها في صورة كوشنر.

الرجل ليس دبلوماسيًا مهنيًا يعود إلى المنطقة بلا مصالح تجارية. إنه رجل أعمال ومستثمر، وصهر رئيس أمريكي، وشخصية لعبت سابقًا دورًا أساسيًا في اتفاقيات أبراهام، ثم أسس صندوقًا استثماريًا استقطب مليارات الدولارات الخليجية.

والآن يعود إلى ملف بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل غزة.

لذلك يصبح السؤال أكبر من شخصية كوشنر نفسها: أين تنتهي المصالح التجارية وتبدأ الدبلوماسية؟

وفي إسرائيل العيون على «الشريك المحتمل»

في الجانب الآخر، تأتي تصريحات الصحفي الإسرائيلي روعي كايس لتكشف جانبًا مختلفًا من النقاش الدائر داخل إسرائيل.

حديثه عن “دولة إقليمية” نصحت دولة أخرى بالتطبيع مع إسرائيل قبل مواجهة كبرى يلفت الانتباه، لكن لا ينبغي القفز إلى استنتاج أن المقصود هو السعودية ما لم يسمها الصحفي أو توجد قرائن مستقلة تثبت ذلك.

الأكثر أهمية في كلامه هو الطريقة التي ينظر بها جزء من الإعلام الإسرائيلي إلى العلاقات العربية بعد 7 أكتوبر.

فهو لا يرفض توسيع اتفاقيات أبراهام، بل يصف التجربة الإماراتية وغيرها بأنها ناجحة، لكنه يدعو إسرائيل إلى التدقيق بصورة أكبر في “نوايا” الشركاء المحتملين.

وهذه نقطة كاشفة.

إسرائيل لا تبحث عن التطبيع فقط بل عن اختبار المطبّعين

قبل سنوات كان الخطاب الإسرائيلي يحتفي بمجرد إضافة دولة عربية جديدة إلى اتفاقيات أبراهام.

أما اليوم، فيظهر خطاب أكثر حذرًا: من هو الشريك؟ وما الذي سيفعله عندما تقع حرب؟ وهل سيقف مع إسرائيل سياسيًا وأمنيًا أم يحافظ فقط على علاقات دبلوماسية واقتصادية؟

وفي هذا السياق تحديدًا تصبح السعودية الجائزة الأكبر لأي توسع محتمل للاتفاقيات.

لكنها تصبح أيضًا موضوعًا للتقييم الإسرائيلي: ليس فقط هل ستطبّع الرياض، وإنما ماذا سيعني تطبيعها عمليًا؟

السعودية بين خطاب فلسطين وشبكة المصالح الجديدة

وهنا تواجه السياسة السعودية تناقضًا متزايد الحساسية.

رسميًا، تؤكد الرياض أن القضية الفلسطينية تظل عنصرًا أساسيًا في موقفها من التطبيع.

لكن في الوقت نفسه، توسعت خلال السنوات الأخيرة شبكة المصالح التي تربط الأموال السعودية بشخصيات وشركات وصناديق أمريكية ذات علاقات وثيقة بإسرائيل.

هذا لا يساوي قانونيًا أو سياسيًا إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنه يخلق واقعًا أكثر تعقيدًا من الخطاب التقليدي.

فالعلاقات في عالم الاستثمار يمكن أن تسبق السفارات بسنوات.

من يمول من؟ ومن يؤثر في من؟

قصة كوشنر مثال واضح على ذلك.

السعودية تستثمر مليارات في صندوقه.

صندوقه يستثمر وفق مصالحه التجارية.

كوشنر يحتفظ في الوقت نفسه بنفوذ سياسي وعلاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل.

ثم يعود الرجل إلى طاولة يُفترض أنها تبحث مستقبل الفلسطينيين.

وهنا يصبح من السذاجة التعامل مع المال باعتباره عنصرًا منفصلًا تمامًا عن شبكة النفوذ السياسي.

هذا لا يثبت وجود صفقة سرية أو تعليمات سعودية لكوشنر، ولا ينبغي الادعاء بذلك دون دليل. لكنه يجعل الإفصاح عن المصالح المالية والجهات المستفيدة منها ضرورة لفهم الصورة كاملة.

«السلام» الذي تتداخل داخله المحافظ الاستثمارية

في النهاية، تجمع القصتان مشهدًا واحدًا بالغ الدلالة.

في واشنطن، رجل استفاد صندوقه من مليارات الدولارات السعودية، وله استثمارات تثير تساؤلات بشأن ارتباطها بإسرائيل والمستوطنات، يُطرح مجددًا ضمن هندسة مستقبل غزة.

وفي إسرائيل، يناقش الإعلام طبيعة الشركاء العرب المحتملين، بينما يظل توسيع دائرة التطبيع هدفًا استراتيجيًا.

وفي الخلفية تقف السعودية: مموِّلًا ضخمًا للاستثمارات الأمريكية، وشريكًا تسعى إسرائيل إلى الوصول إليه، ودولة تؤكد في الوقت نفسه أن حقوق الفلسطينيين شرط أساسي لأي تحول في علاقتها بتل أبيب.

لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت الرياض ستوقّع اتفاقًا للتطبيع أم لا. فشبكة المال والاستثمار والنفوذ السياسي أصبحت أكثر تشابكًا من أن تختصر في توقيع رسمي.

والسؤال الأهم بالنسبة للسعوديين والفلسطينيين معًا هو: عندما تُستخدم مليارات سعودية في بناء نفوذ استثماري لشخصيات تتحرك بين المال والسياسة وإسرائيل، ثم تعود هذه الشخصيات لتشارك في تقرير مستقبل غزة، فمن يضمن أن تكون مصلحة الفلسطينيين هي التي تجلس على الطاولة، لا مصالح المستثمرين والتحالفات التي تقف خلفها؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية