منذ سنوات، حاولت السعودية تقديم استثمارها في شركة “لوسيد” الأمريكية باعتباره نموذجًا لعبقرية التحول الاقتصادي الجديد، ودليلًا على أن صندوق الاستثمارات العامة قادر على اقتحام المستقبل عبر التكنولوجيا والسيارات الكهربائية. لكن ما يحدث اليوم يكشف صورة مختلفة تمامًا: شركة تتراجع أسهمها باستمرار، وتحرق السيولة بوتيرة هائلة، وتعيش عمليًا على التنفس الاصطناعي القادم من أموال الدولة السعودية.
حين يتم تداول سهم شركة عند مستويات متدنية تقارب 5 دولارات فقط، بعد أن كان يُسوَّق لها باعتبارها “تسلا القادمة”، فإن الأزمة لم تعد مجرد تقلبات سوق عادية، بل فشل استثماري واضح. الأخطر أن بقاء “لوسيد” لم يعد مرتبطًا بقدرتها على تحقيق أرباح أو بناء نموذج تجاري ناجح، بل باستمرار ضخ الأموال السعودية لإنقاذها من الانهيار.
هذا يعني أن صندوق الاستثمارات العامة لم يعد مستثمرًا يبحث عن عائد، بل أصبح عمليًا ممولًا دائمًا للخسائر. وبدل أن تتحول “لوسيد” إلى مصدر أرباح واستقلال صناعي، تحولت إلى عبء مالي جديد يُضاف إلى قائمة طويلة من المشاريع والاستثمارات التي تستهلك المليارات دون نتائج حقيقية.
“استثمار المستقبل” الذي تحول إلى ماكينة استنزاف
عندما دخلت السعودية بقوة إلى “لوسيد”، كان الخطاب الرسمي يتحدث عن بناء صناعة سيارات كهربائية متقدمة، ونقل التكنولوجيا، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للابتكار الصناعي. لكن الواقع كشف أن المشروع كان قائمًا أكثر على الحماس السياسي والدعاية الإعلامية من الأسس الاقتصادية الصلبة.
الشركة عانت منذ البداية من مشكلات جوهرية: إنتاج محدود، مبيعات أقل من التوقعات، منافسة شرسة من شركات عملاقة، وتكاليف تشغيل مرتفعة بشكل هائل. ومع كل تراجع في الأداء، كان الحل الوحيد هو المزيد من الأموال السعودية.
بدل أن تصبح “لوسيد” شركة قادرة على تمويل نفسها عبر السوق والعملاء، أصبحت تعتمد على صندوق الاستثمارات العامة كأنه بنك إنقاذ مفتوح بلا سقف. وهذه ليست علامة على قوة الاستثمار، بل على فشل النموذج بالكامل.
فالاستثمار الحقيقي يُقاس بقدرة الشركة على الوقوف اقتصاديًا وتحقيق تدفقات مالية مستقلة، لا بعدد المرات التي تحتاج فيها إلى ضخ أموال حكومية جديدة للبقاء على قيد الحياة.
صندوق الاستثمارات من صندوق سيادي إلى صندوق إنقاذ للخسائر
الأزمة لا تتعلق فقط بـ”لوسيد”، بل تكشف مشكلة أوسع داخل طريقة إدارة الاستثمارات السعودية خلال السنوات الأخيرة.
فصندوق الاستثمارات العامة دخل في سلسلة هائلة من الرهانات الضخمة: ليف غولف، الألعاب الإلكترونية، التكنولوجيا، الرياضة، الترفيه، المشاريع العقارية العملاقة، والاستثمارات عالية المخاطر في الأسواق العالمية. لكن كثيرًا من هذه المشاريع لم ينتج عوائد حقيقية حتى الآن، بل استنزف السيولة بوتيرة متسارعة.
وفي حالة “لوسيد”، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالصندوق لا يستطيع بسهولة الانسحاب من الاستثمار، لأن ذلك سيعني الاعتراف بخسارة سياسية ومالية ضخمة. لذلك يستمر في ضخ الأموال للحفاظ على الشركة حيّة، حتى لو كانت المؤشرات التجارية لا تدعم هذا المسار.
وهكذا يتحول الصندوق تدريجيًا من أداة لبناء الثروة إلى أداة لشراء الوقت وتأجيل الاعتراف بالفشل.
المفارقة أن كل هذا يحدث بينما تواجه السعودية نفسها ضغوطًا مالية متزايدة: عجز متصاعد، ارتفاع في الدين العام، مراجعة للمشاريع العملاقة، وتقليص أو تأجيل بعض المبادرات بسبب نقص السيولة. ومع ذلك، تستمر المليارات في التدفق نحو استثمارات لا تحقق نتائج ملموسة.
“رؤية 2030” بين الدعاية والواقع حين يصبح الإنقاذ الدائم سياسة اقتصادية
ما تكشفه أزمة “لوسيد” يتجاوز شركة سيارات كهربائية. القضية الحقيقية هي أن جزءًا كبيرًا من نموذج “رؤية 2030” بُني على فكرة أن المال السعودي قادر على شراء المستقبل بسرعة، حتى لو لم تكن المشاريع ناضجة أو قابلة للاستدامة.
لكن الأسواق لا تعمل بالدعاية السياسية، ولا بالشعارات. في النهاية، هناك أرقام، مبيعات، أرباح، وقدرة على المنافسة. وهذه هي النقطة التي بدأت عندها كثير من المشاريع السعودية تتعثر.
فالاستثمار في التكنولوجيا يحتاج إلى خبرة طويلة، وإدارة دقيقة، وصبر استراتيجي، وليس فقط ضخ مليارات الدولارات. وما حدث مع “لوسيد” يعكس الفجوة بين الطموح الهائل والقدرة الفعلية على بناء شركات ناجحة عالميًا.
اليوم، لم تعد “لوسيد” تُقدَّم كنموذج انتصار سعودي في عالم السيارات الكهربائية، بل أصبحت مثالًا على استثمارات تُدار بمنطق الهيبة السياسية أكثر من منطق العائد الاقتصادي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخطر: إلى متى تستطيع السعودية الاستمرار في تمويل الخسائر بهذا الشكل؟
لأن المشكلة ليست في شركة واحدة فقط، بل في نموذج كامل يقوم على الإنفاق الضخم والرهانات المكلفة دون وجود نتائج متناسبة مع حجم الأموال المحروقة. وما دامت المشاريع تحتاج باستمرار إلى “جرعات إنقاذ” من صندوق الاستثمارات العامة، فهذا يعني أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد سهم يهبط في البورصة. الحقيقة التي بدأت تتكشف بوضوح أن “لوسيد” لم تعد مشروعًا للمستقبل، بل رمزًا جديدًا لطريقة إنفاق سعودية تشتري الأحلام بالمليارات، ثم تجد نفسها مضطرة لدفع المزيد فقط لمنع هذه الأحلام من الانهيار الكامل





