البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
“50 مليار ريال للألعاب و19 مليارًا للغولف.. كيف تحولت أموال السعودية إلى رهان مفتوح على الترفيه الخاسر؟”

“50 مليار ريال للألعاب و19 مليارًا للغولف.. كيف تحولت أموال السعودية إلى رهان مفتوح على الترفيه الخاسر؟”

في الوقت الذي تواجه فيه السعودية عجزًا ماليًا متصاعدًا، وتلجأ إلى الاقتراض بوتيرة غير مسبوقة، وتعيد تقييم عشرات المشاريع العملاقة بسبب ضغوط التمويل، يواصل صندوق الاستثمارات العامة ضخ عشرات المليارات في قطاعات ترفيهية ورياضية لم تثبت حتى الآن قدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية. وبينما يُطلب من المواطنين والقطاع الخاص التكيف مع الضرائب والرسوم وارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو الأولوية لدى صناع القرار مختلفة تمامًا: المزيد من الأموال للألعاب الإلكترونية، والمزيد من التمويل للبطولات الرياضية، والمزيد من الرهانات على مشاريع لا تزال نتائجها غامضة.

إعلان وصول الاستثمارات السعودية في قطاع الرياضات الإلكترونية إلى 50 مليار ريال لم يُنظر إليه باعتباره إنجازًا اقتصاديًا بقدر ما أثار تساؤلات جديدة حول طبيعة الأولويات المالية للدولة. فالمملكة التي تعاني من اتساع العجز وتراجع السيولة في بعض المؤسسات الرئيسية، تواصل تخصيص مبالغ هائلة لقطاعات ترتبط بالصورة الإعلامية والظهور الدولي أكثر من ارتباطها بإنتاج قيمة اقتصادية مستدامة.

الأمر لا يتعلق باستثمار محدود في صناعة واعدة، بل بسياسة متكاملة تقوم على ضخ الأموال العامة في مجالات الترفيه والرياضة على أمل تحويلها إلى محركات نمو جديدة. غير أن السنوات الماضية أظهرت أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لبناء صناعة ناجحة، وأن الشهرة العالمية لا تتحول تلقائيًا إلى أرباح.

اقتصاد يبحث عن الأضواء لا عن العوائد

من يتابع مسار الإنفاق السعودي خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات الضخمة اتجه نحو القطاعات القادرة على جذب الاهتمام الإعلامي العالمي. بطولات الملاكمة، سباقات السيارات، الأندية الأوروبية، الغولف، الألعاب الإلكترونية، الحفلات والمهرجانات؛ جميعها أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تقديم صورة المملكة للعالم.

لكن المشكلة أن الاقتصاد لا يُقاس بعدد الأحداث التي تُنظم أو بعدد النجوم الذين يتم استقطابهم، بل بحجم العائد الفعلي الناتج عن هذه الاستثمارات.

الرياضات الإلكترونية تُقدَّم اليوم باعتبارها مستقبل الاقتصاد الرقمي، إلا أن التجربة السعودية داخل هذا القطاع تكشف حجم الفجوة بين الطموح والواقع. فبعد مليارات الريالات التي أُنفقت على شراء حصص في شركات ألعاب عالمية، وتنظيم بطولات ضخمة، وإنشاء كيانات جديدة، لا تزال مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد المحلي محدودة مقارنة بحجم الأموال المستثمرة فيه.

بل إن كثيرًا من الأنشطة القائمة لا تزال تعتمد بشكل كامل على التمويل الحكومي المباشر. ولو توقف هذا التمويل غدًا، فإن جزءًا كبيرًا من هذه المنظومة سيفقد قدرته على الاستمرار. وهذا يعني أن القطاع لم يصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي التي تبرر حجم الإنفاق المخصص له.

المفارقة أن الحكومة تتحدث باستمرار عن تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، بينما تعتمد القطاعات الجديدة نفسها على الأموال التي يولدها النفط وصندوق الثروة السيادي.

ليف غولف خمسة مليارات دولار لشراء الفشل

إذا كانت الرياضات الإلكترونية تمثل الرهان الجديد، فإن تجربة “ليف غولف” تمثل النموذج الأكثر وضوحًا لمخاطر الإنفاق غير المحسوب.

منذ إطلاق الدوري، ضخ صندوق الاستثمارات العامة أكثر من 5 مليارات دولار، أي ما يزيد على 18.7 مليار ريال سعودي، في محاولة لبناء منافس عالمي للجولات التقليدية للغولف. جرى استقطاب أشهر اللاعبين بعقود خيالية، وتم تقديم جوائز مالية ضخمة، وصُرفت مبالغ غير مسبوقة على التسويق والتنظيم.

لكن بعد سنوات من الإنفاق، بقي السؤال الأساسي بلا إجابة: أين الأرباح؟

الجمهور لم يتدفق كما كان متوقعًا. الرعاة لم يتسابقوا للاستثمار كما حدث في الرياضات الكبرى الأخرى. وحقوق البث التلفزيوني التي تمثل العمود الفقري لأي بطولة رياضية ناجحة لم تتحول إلى مصدر دخل حقيقي.

والنتيجة أن الدوري استمر معتمدًا بالكامل تقريبًا على الأموال السعودية، إلى درجة أن مسؤوليه أنفسهم أقروا بأن تحقيق الأرباح قد يحتاج إلى عقد إضافي كامل إن حدث أصلًا.

هذا ليس استثمارًا طويل الأجل فقط، بل مشروع يستهلك مئات الملايين من الدولارات سنويًا دون وجود نموذج أعمال واضح يضمن استرداد الأموال.

وفي أي اقتصاد تقليدي، كان من المفترض أن تُطرح أسئلة قاسية حول جدوى هذا الإنفاق منذ سنوات. لكن في الحالة السعودية، استمر ضخ الأموال رغم تراكم الخسائر، وكأن الهدف لم يعد الربح، بل مجرد الاستمرار.

من يدفع الثمن؟

السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بحجم الأموال فقط، بل بمصدرها وتكلفتها البديلة.

فعندما تُنفق عشرات المليارات على الألعاب الإلكترونية والغولف، فهذا يعني أن هذه الأموال لن تُستخدم في مجالات أخرى. وهي حقيقة اقتصادية لا يمكن تجاوزها.

في الوقت الذي تُراجع فيه مشاريع بنية تحتية، وتُؤجل خطط كبرى، وتُسجل الميزانية عجزًا متزايدًا، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الأولويات الحالية تخدم الاقتصاد فعلًا أم تخدم مشروعًا سياسيًا وإعلاميًا أوسع.

الأكثر إثارة للقلق أن كثيرًا من هذه الاستثمارات لا يجري تمويلها من فوائض مالية هائلة كما كان الحال في الماضي، بل في مرحلة تشهد توسعًا في الاقتراض وارتفاعًا في مستويات الدين العام.

وهذا يعني أن جزءًا من المخاطر يجري ترحيله إلى المستقبل، بينما تستمر الدولة في تمويل رهانات مكلفة لا تزال نتائجها غير مؤكدة.

في النهاية، لا تُقاس قوة الاقتصادات بعدد البطولات التي تستضيفها أو بحجم الإنفاق على الترفيه، بل بقدرتها على خلق قطاعات منتجة قادرة على الاستمرار دون دعم دائم من الدولة.

حين يصبح الترفيه مشروعًا اقتصاديًا للدولة

تكشف تجربة الرياضات الإلكترونية وليف غولف عن معضلة أعمق داخل النموذج الاقتصادي الحالي. فبدل أن تكون الدولة محفزًا للنشاط الاقتصادي، أصبحت هي المستثمر والممول والمشغل في آن واحد.

ومع كل مليار جديد يُضخ في قطاع ترفيهي أو رياضي، يتعزز الانطباع بأن رؤية 2030 لم تنجح حتى الآن في خلق اقتصاد يقوده القطاع الخاص، بل خلقت اقتصادًا جديدًا يعتمد على صندوق الاستثمارات العامة بنفس الدرجة التي كان الاقتصاد القديم يعتمد بها على النفط.

الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم أن 50 مليار ريال للألعاب الإلكترونية و18.7 مليار ريال للغولف لا تعكس فقط حجم الطموح، بل حجم المخاطرة أيضًا. وإذا كانت المشاريع الاقتصادية تُقاس بنتائجها لا بحجم الإنفاق عليها، فإن السنوات المقبلة ستكون اختبارًا قاسيًا لمعرفة ما إذا كانت هذه المليارات استثمارًا في المستقبل أم مجرد فصل جديد من فصول الإنفاق الضخم الذي يسبق دائمًا لحظة المراجعة المؤلمة.

المليارات تحترق والاقتصاد ينتظر النتيجة

بعد سنوات من الإنفاق المفتوح، لم يعد السؤال كم أنفقت السعودية على الرياضة والترفيه، بل ماذا حصلت في المقابل. فالأموال التي كان يُفترض أن تبني قطاعات مكتفية ذاتيًا لا تزال تحتاج إلى مزيد من التمويل، والمشاريع التي وُعدت بتحقيق عوائد تاريخية ما زالت تبحث عن نموذج ربح مستدام. وبينما تتسع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، وتزداد الضغوط على المالية العامة، يبدو أن أكبر تحدٍ يواجه صناع القرار ليس إطلاق مشاريع جديدة، بل تبرير المشاريع القديمة التي ابتلعت المليارات دون أن تقدم حتى الآن ما يوازي حجم ما استهلكته من ثروة البلاد

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية