لسنوات، عملت الحكومة السعودية على تسويق صورة اقتصاد يتحرك بقوة خارج قطاع النفط، مستندة إلى أرقام النمو في البناء والسياحة والترفيه والخدمات. لكن خلف هذه الصورة اللامعة يبرز سؤال أكثر أهمية: هل ينمو الاقتصاد فعلاً، أم أن الدولة هي التي تدفعه إلى الحركة بأموالها؟
المشكلة أن كثيرًا من الأنشطة التي تُقدَّم اليوم باعتبارها دليلاً على نجاح التحول الاقتصادي لا تنشأ من السوق نفسها، بل من خزائن الدولة. الفنادق الجديدة، المدن الجديدة، المهرجانات الجديدة، وحتى جزء كبير من الوظائف الجديدة، كلها مرتبطة بشكل مباشر بقرارات حكومية وتمويل حكومي. وهذا يعني أن النشاط الاقتصادي لا يتحرك لأن الطلب الطبيعي يفرض نفسه، بل لأن الدولة تضخ الأموال بشكل مستمر.
“حين تصبح الحكومة أكبر تاجر ومستثمر ومقاول في البلاد“
في الاقتصادات الطبيعية، ينمو القطاع الخاص عندما يكتشف فرصًا حقيقية للربح والإنتاج. أما في السعودية اليوم، فإن الدولة لا تكتفي بدور المنظم، بل أصبحت المستثمر الأكبر والممول الأكبر وصاحب المشاريع الأكبر في الوقت نفسه.
هذا الوضع خلق بيئة تعتمد فيها الشركات على العقود الحكومية أكثر من اعتمادها على السوق. وأصبح نجاح العديد من المؤسسات مرتبطًا بقدرتها على الاقتراب من المشاريع السيادية لا بقدرتها على المنافسة أو الابتكار.
النتيجة أن القطاع الخاص لا يقف على قدميه بقدر ما يقف على كتفي الدولة. وكلما توسعت الحكومة توسع معها، وكلما تراجعت تعثر معها.
“الازدهار المؤقت ماذا يحدث عندما يتوقف ضخ المليارات؟”
الخطر الحقيقي لا يظهر أثناء تدفق الأموال، بل عندما تبدأ الدولة في إعادة الحسابات. وهذا ما بدأ يحدث بالفعل مع تأجيل مشاريع، وإلغاء عقود، وتقليص خطط كانت تُوصف قبل سنوات بأنها حجر الأساس للمستقبل.
عند هذه النقطة يتبين إن كان الاقتصاد يمتلك محركاته الخاصة أم لا.
إذا كان النمو قائمًا على الإنتاج والاستثمار الحقيقي فسوف يستمر. أما إذا كان قائمًا على الإنفاق الحكومي فقط، فسوف يتباطأ فور تراجع التمويل.
ولهذا السبب لا يزال المستثمرون يتعاملون بحذر مع المشهد السعودي. فهم لا ينظرون فقط إلى حجم الأموال التي تُنفق اليوم، بل إلى قدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما تنخفض هذه الأموال غدًا
“السؤال الذي يطارد رؤية 2030″
بعد سنوات من المشاريع العملاقة والحملات الدعائية والاستثمارات الضخمة، لم يعد السؤال: كم أنفقت السعودية؟ بل: ماذا سيبقى إذا توقفت عن الإنفاق؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي تحول اقتصادي.
فالاقتصاد القوي هو الذي ينتج الثروة بنفسه، لا الذي يستهلك الثروة لإظهار النمو. أما الاقتصاد الذي يحتاج باستمرار إلى جرعات جديدة من الإنفاق الحكومي كي يحافظ على حركته، فإنه يشبه مبنىً ضخماً تلمع واجهته الزجاجية بينما تعتمد أعمدته على دعامات مؤقتة لا يراها أحد.
وعندها لا يصبح الخطر في انخفاض أسعار النفط فقط، بل في انكشاف حقيقة أن ما بدا ازدهارًا طويل الأمد قد يكون مجرد دورة إنفاق استثنائية جرى تسويقها على أنها معجزة اقتصادية.






