منذ إطلاق رؤية 2030، حاول محمد بن سلمان تسويق مشروعه باعتباره بوابة السعودية إلى المستقبل، عبر مدن عملاقة واستثمارات بمئات المليارات ومواسم ترفيهية وبطولات رياضية عالمية. لكن التطورات الإقليمية الأخيرة كشفت حقيقة أكثر تعقيدًا: فالمشروع الذي قُدِّم على أنه استقلال اقتصادي وسياسي متزايد، بات أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بالتوازنات الأمنية الأمريكية وباستقرار منطقة الخليج التي تعيش فوق برميل بارود دائم الانفجار.
الحرب الأخيرة وما تبعها من اضطرابات في مضيق هرمز أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النموذج الذي بناه محمد بن سلمان. فبينما تتحدث الخطط الرسمية عن تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، جاءت الأزمة لتكشف أن النفط لا يزال شريان الحياة الأساسي للاقتصاد السعودي، وأن أي تهديد للممرات البحرية يمكن أن يهز الأساس الذي تقوم عليه مشاريع الرؤية بأكملها.
ولم يكن مستغربًا أن تتزايد الأصوات الأمريكية والإسرائيلية التي تتحدث اليوم عن إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة وربط السعودية بمسار الاتفاقيات الإبراهيمية، باعتبار ذلك جزءًا من معادلة الحماية والاستقرار الجديدة.
“هرمز يبتلع أوهام الاستقرار“
أظهرت أزمة مضيق هرمز أن السعودية ما زالت أسيرة الجغرافيا السياسية مهما حاولت تقديم نفسها كقوة اقتصادية عالمية مستقلة.
فإغلاق المضيق أو تعطل الملاحة فيه لم يؤثر فقط على أسواق الطاقة العالمية، بل ضرب مباشرة الثقة التي تحتاجها المملكة لجذب المستثمرين والسياح والشركات العالمية. فالمستثمر الذي يُطلب منه ضخ مليارات الدولارات في مشاريع مستقبلية لا ينظر فقط إلى الأبراج والمدن الذكية، بل إلى مستوى الاستقرار الأمني المحيط بها.
ولذلك كشفت الأزمة هشاشة جزء كبير من الافتراضات التي بُنيت عليها رؤية 2030. فكل مدينة سياحية وكل بطولة رياضية وكل مشروع ترفيهي يعتمد في النهاية على منطقة مستقرة وآمنة وقادرة على جذب رؤوس الأموال.
اليوم تبدو هذه المعادلة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، خصوصًا مع تزايد الحديث عن أن الخليج سيظل يعيش في ظل تهديدات أمنية طويلة الأمد حتى لو توقفت المواجهات العسكرية المباشرة.
“من الحماية العسكرية إلى التطبيع السياسي“
بالتوازي مع التوترات الأمنية، تصاعدت التصريحات الأمريكية التي تربط مستقبل المنطقة بمشروع التطبيع الإقليمي الواسع.
هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن المشهد الأكبر الذي يتشكل في المنطقة. فكلما ازدادت المخاطر الأمنية، ازدادت الضغوط لإعادة بناء تحالفات جديدة تقودها واشنطن وتكون السعودية جزءًا محوريًا فيها.
المفارقة أن المشروع الذي رُوِّج له باعتباره مشروعًا وطنيًا مستقلًا بات يُقدَّم اليوم داخل الأوساط الغربية باعتباره مرتبطًا بشكل مباشر بالمظلة الأمنية الأمريكية. بل إن بعض الساسة الأمريكيين يتحدثون علنًا عن دور واشنطن في حماية الاستقرار السعودي وحماية المشاريع الاقتصادية الضخمة التي أطلقها محمد بن سلمان.
وهنا تظهر معضلة أساسية: فكلما تعمق الاعتماد على الحماية الخارجية، تراجعت قدرة الرياض على تقديم نفسها كقوة إقليمية مستقلة قادرة على إدارة أمنها ومصالحها بنفسها.
“اقتصاد الترفيه في مواجهة حقائق المنطقة“
خلال السنوات الماضية ضخت السعودية عشرات المليارات في قطاعات الترفيه والرياضة والمهرجانات العالمية بهدف إعادة تشكيل صورتها الدولية.
لكن الأزمات الأخيرة كشفت أن هذه الاستثمارات تبقى شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب سياسي أو أمني.
فالنوادي الليلية والحفلات والفعاليات الضخمة التي أصبحت جزءًا من الصورة الجديدة للمملكة تعتمد على تدفق السياح والمستثمرين واستمرار الشعور بالأمان. أما عندما تدخل المنطقة في أجواء الحروب والتوترات، فإن أول ما يتراجع عادة هو قطاع الترفيه والسياحة.
ولهذا باتت رؤية 2030 تواجه اختبارًا صعبًا: كيف يمكن بناء اقتصاد قائم على الترفيه والاستثمار العالمي في منطقة تعيش على وقع الأزمات المتلاحقة؟
رؤية معلقة بين واشنطن وهرمز
تكشف التطورات الأخيرة أن أكبر تحدٍ يواجه مشروع محمد بن سلمان ليس التمويل ولا التكنولوجيا ولا حتى تنفيذ المشاريع العملاقة، بل البيئة السياسية والأمنية التي تحيط بها.
فالاقتصاد الحديث الذي يحاول بن سلمان بناءه يحتاج إلى استقرار طويل الأمد، بينما تشير الوقائع إلى أن الخليج يدخل مرحلة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا
وبين مضيق هرمز والاتفاقيات الإبراهيمية والمظلة الأمنية الأمريكية، تبدو رؤية 2030 اليوم أقل استقلالًا وأكثر ارتباطًا بمعادلات إقليمية لا تملك الرياض السيطرة الكاملة عليها





