لم تعد السلطة السعودية تكتفي بالسيطرة على الإعلام التقليدي أو ملاحقة المعارضين السياسيين، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة: تجريم التذمر الشعبي نفسه. استدعاء عشرات المواطنين بسبب منشورات تتحدث عن البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات يكشف أن الأزمة داخل السعودية لم تعد أزمة خطاب سياسي معارض، بل أزمة خوف رسمي من المجتمع ذاته، ومن تحوّل المنصات الرقمية إلى مرآة تعكس الواقع الحقيقي بعيدًا عن الدعاية الرسمية ومهرجانات الترفيه والاستعراض الإعلامي.
السلطات التي أنفقت مئات المليارات لتسويق صورة “السعودية الجديدة” أمام العالم، تجد نفسها اليوم منشغلة بملاحقة مواطنين يشتكون من تكاليف الحياة أو يعبّرون عن غضبهم من الأوضاع الاقتصادية. وهذا التحول يكشف بوضوح أن أخطر ما يواجه مشروع محمد بن سلمان لم يعد الخارج أو الخصوم الإقليميين، بل اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية والحياة اليومية داخل البلاد.
المفارقة أن النظام الذي يقدم نفسه كقوة إقليمية صاعدة ومركز عالمي للاستثمار والسياحة والترفيه، يبدو شديد الهشاشة أمام تغريدة أو مقطع فيديو أو تعليق ينتقد الخدمات أو يفتح نقاشًا حول البطالة. وهنا تظهر حقيقة المشهد: السلطة لا تخشى “الفوضى الرقمية” كما تزعم، بل تخشى فقدان السيطرة على السردية العامة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة على احتواء التململ الشعبي عبر الإعلام التقليدي.
منصات التواصل تحولت إلى “عدو داخلي” بعد فشل الإعلام الرسمي في إخفاء الواقع
خلال السنوات الماضية، حاولت الحكومة السعودية إعادة تشكيل المجال الإعلامي بالكامل، عبر السيطرة على القنوات والصحف والمنصات الكبرى، وتحويلها إلى أدوات ترويج يومي لرؤية 2030 ومشاريعها العملاقة. لكن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، بدأت مواقع التواصل تكشف ما تعجز الآلة الإعلامية الرسمية عن إخفائه.
النقاشات حول البطالة، وارتفاع الأسعار، وصعوبة المعيشة، وتراجع بعض الخدمات، لم تعد حالات فردية معزولة، بل أصبحت جزءًا من المزاج العام داخل المنصات الرقمية السعودية. وهذا ما دفع السلطات إلى الانتقال من مرحلة “المراقبة” إلى مرحلة “التجريم”.
استخدام عبارات فضفاضة مثل “الإخلال بالنظام العام” أو “الإضرار بالمصلحة العامة” لم يعد مجرد غطاء قانوني، بل تحول إلى أداة مفتوحة تسمح للسلطة بتجريم أي خطاب لا يتماشى مع الرواية الرسمية. الخطير هنا أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالتحريض أو الدعوات السياسية المباشرة، بل حتى النقاشات المعيشية اليومية أصبحت تُعامل باعتبارها تهديدًا أمنيًا.
وهذا يعكس إدراكًا داخل السلطة بأن الأزمة الاقتصادية لم تعد قابلة للاحتواء عبر الدعاية وحدها. فحين يصبح الحديث عن البطالة أو ارتفاع تكاليف الحياة سببًا للاستدعاء والملاحقة، فإن ذلك يعني أن الدولة لم تعد قادرة على الفصل بين “النقد الاقتصادي” و”التهديد السياسي”.
الفضاء الرقمي بالنسبة للسلطات لم يعد مجرد منصات تواصل، بل ساحة معركة على الوعي والرواية والسيطرة النفسية على المجتمع. ولهذا يتم التعامل مع أي محتوى ينتشر خارج الإطار الرسمي باعتباره خطرًا يجب احتواؤه بسرعة، حتى لو كان متعلقًا بشكوى خدمية أو أزمة معيشية.
اقتصاد يضغط على المجتمع وسلطة تحاول إسكات آثار الفشل بدل معالجتها
التصعيد ضد المستخدمين يأتي في توقيت شديد الحساسية اقتصاديًا. السعودية تواجه عجزًا ماليًا متزايدًا، وارتفاعًا في الإنفاق الدفاعي، وضغوطًا مرتبطة بالحرب الإقليمية، إلى جانب تراجع الثقة بعد تعثر مشاريع كبرى مثل نيوم وذا لاين وليف غولف.
في المقابل، يعيش المواطن العادي واقعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي تُصدّرها المؤتمرات الدولية والإعلانات الضخمة. تكاليف المعيشة ترتفع، والوظائف النوعية لا تنمو بالسرعة التي وُعد بها الناس، بينما تستمر الدولة في ضخ الأموال على مشاريع ترفيهية ورياضية واستحواذات خارجية بمليارات الدولارات.
هذا التناقض خلق حالة احتقان صامت داخل المجتمع، خصوصًا بين الشباب الذين قُدمت لهم رؤية 2030 باعتبارها مشروعًا سيغيّر حياتهم اقتصاديًا واجتماعيًا. لكن بعد سنوات من الوعود، ما زالت قطاعات واسعة تشعر أن التحول الحقيقي يتركز في الترفيه والصورة الإعلامية أكثر من تحسين الواقع المعيشي.
بدل مواجهة هذه الأسئلة اقتصاديًا، يبدو أن السلطة اختارت الطريق الأمني والإعلامي. فبدل أن يصبح النقاش حول البطالة فرصة لمراجعة السياسات، يتم تحويله إلى “مخالفة إعلامية”. وبدل التعامل مع الغضب الشعبي باعتباره مؤشرًا يحتاج إلى حلول، يجري التعامل معه كخطر يجب إسكاته.
وهذا النهج يحمل مخاطرة كبيرة على المدى البعيد. لأن كبت النقاشات العامة لا يلغي الأزمات، بل يدفعها إلى التراكم تحت السطح. وكلما ضاقت مساحة التعبير، ازدادت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.
الأخطر أن السلطة تبدو وكأنها تحاول حماية “الصورة” أكثر من حماية الاستقرار الحقيقي. فالمشكلة بالنسبة لها ليست في البطالة نفسها، بل في الحديث عنها. وليست في ارتفاع الأسعار، بل في انتشار الشكاوى منها على المنصات.
دولة تُنفق المليارات على الترفيه وتخشى مواطنيها على الإنترنت
المشهد السعودي اليوم يكشف تناقضًا صارخًا. الدولة التي تريد أن تصبح عاصمة عالمية للترفيه والسياحة والألعاب الإلكترونية، لا تزال تتعامل مع التعبير الرقمي بعقلية أمنية تقليدية تقوم على الرقابة والتخويف والملاحقة.
في الخارج، يتم الترويج لصورة “السعودية المنفتحة” التي تستضيف الحفلات العالمية والبطولات الدولية والمهرجانات الضخمة. لكن في الداخل، تتوسع الرقابة على المجتمع الرقمي، ويتم استدعاء المواطنين بسبب منشورات تتحدث عن مشاكل يومية يعيشها الملايين.
هذا التناقض يكشف أن الانفتاح الذي تروّج له السلطة ليس انفتاحًا سياسيًا أو اجتماعيًا حقيقيًا، بل انفتاح انتقائي يخدم صورة النظام ومشاريعه الاقتصادية فقط. أما حين يتعلق الأمر بحرية النقاش أو النقد أو مساءلة السياسات، فإن القبضة الأمنية تعود بقوة أكبر.
الأزمة الحقيقية هنا ليست فقط في التضييق على حرية التعبير، بل في الطريقة التي تنظر بها السلطة إلى المجتمع نفسه. فبدل اعتبار المواطنين شركاء في النقاش حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يتم التعامل معهم باعتبارهم مصدر تهديد يجب مراقبته وضبطه.
وهكذا يتحول الإنترنت من مساحة للنقاش العام إلى مساحة خوف، ويتحول المواطن من مستخدم يعبر عن رأيه إلى شخص يراقب كلماته خشية الاستدعاء أو الملاحقة.
حين تصبح الشكوى جريمة ينكشف خوف السلطة من الحقيقة
ما يحدث اليوم داخل السعودية يكشف أن السلطة لم تعد تخشى المعارضة المنظمة بقدر ما تخشى تآكل الرواية الرسمية من الداخل. فحين تبدأ الدولة بملاحقة المواطنين بسبب نقاشات حول البطالة والمعيشة والخدمات، فهذا يعني أن الأزمة الحقيقية لم تعد سياسية فقط، بل اجتماعية واقتصادية ونفسية أيضًا.
الأنظمة الواثقة من استقرارها لا تخاف من النقد اليومي، ولا تعتبر الشكوى تهديدًا للأمن الوطني. أما حين تتحول التغريدة إلى ملف أمني، فهذا يكشف حجم القلق من اتساع الهوة بين الصورة التي تُباع للعالم، والواقع الذي يعيشه الناس.
وفي النهاية، قد تستطيع السلطة إسكات بعض الحسابات أو تخويف بعض الأصوات، لكنها لن تستطيع إلغاء الحقيقة الأساسية: أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لا تختفي بالقمع الرقمي، وأن السيطرة على المنصات لا تعني السيطرة على المزاج الشعبي.
لأن المشكلة لم تعد في “المحتوى المخالف”، بل في واقع كامل أصبح يصعب إخفاؤه مهما ارتفعت الجدران الرقمية حوله.






