لم يعد تراجع السعودية في مؤشرات حرية الصحافة مجرد رقم يضاف إلى التقارير السنوية الصادرة عن المنظمات الدولية، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لطبيعة المشهد الإعلامي الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة. فاحتلال المملكة المرتبة 176 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة يضعها بين أكثر الدول تقييدًا للعمل الإعلامي في العالم، ويكشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الانفتاح والتحديث، وبين الواقع الذي يعيشه الصحفيون والكتاب وأصحاب الرأي.
المفارقة أن هذا التراجع يأتي في الوقت الذي تنفق فيه الرياض مليارات الدولارات على حملات العلاقات العامة، والفعاليات الرياضية، والمهرجانات العالمية، والمشاريع العملاقة التي تهدف إلى تقديم صورة جديدة للمملكة أمام العالم. لكن الصورة التي تعكسها مؤشرات الحريات تبدو مختلفة تمامًا؛ فبينما تُفتح أبواب الاستثمار والترفيه، تستمر القيود المفروضة على الإعلام والتعبير في التوسع، حتى أصبحت المملكة تقف إلى جانب أكثر الأنظمة انغلاقًا في العالم فيما يتعلق بحرية الصحافة.
إن المشكلة لم تعد تتعلق بحادثة منفردة أو قضية استثنائية، بل بمنظومة كاملة أُعيد تشكيلها بحيث يصبح الإعلام أداة للترويج لا للمساءلة، ومنصة للدعاية لا للنقاش الحر، وهو ما يفسر التراجع المستمر في التصنيفات الدولية عامًا بعد عام.
“إعلام رسمي ضخم ومساحة مستقلة شبه معدومة“
خلال العقد الأخير شهدت السعودية توسعًا هائلًا في المؤسسات الإعلامية والقنوات والمنصات الرقمية، لكن هذا التوسع الكمي لم ينعكس على مستوى الاستقلالية أو التنوع الحقيقي في الآراء.
فالمشهد الإعلامي الحالي يقوم على مركزية واضحة في صناعة الرواية العامة، حيث تتحرك المؤسسات الإعلامية ضمن هوامش محددة سلفًا، بينما تتراجع تدريجيًا المساحات التي تسمح بالنقد أو التحقيق أو المساءلة.
وأصبح الصحفي السعودي يعمل في بيئة يدرك فيها أن تجاوز الخطوط المرسومة قد تكون له عواقب مهنية أو قانونية أو أمنية. لذلك لم تعد الرقابة تأتي فقط من المؤسسات الرسمية، بل تحولت إلى رقابة ذاتية يمارسها الصحفيون والكتاب على أنفسهم قبل نشر أي مادة أو تعليق أو رأي.
هذا الواقع خلق حالة من التشابه بين معظم وسائل الإعلام، حيث تتكرر الروايات نفسها والزوايا نفسها والمصطلحات نفسها، بينما تختفي تدريجيًا الأصوات المستقلة أو الناقدة.
والنتيجة أن المشاهد أو القارئ يجد نفسه أمام وفرة إعلامية شكلية، لكنها تفتقر إلى التنوع الحقيقي الذي يُعد أساس أي بيئة صحفية صحية.
فالإعلام الذي لا يستطيع مساءلة المسؤولين أو مناقشة السياسات أو فتح الملفات الحساسة يفقد تدريجيًا وظيفته الأساسية، ويتحول إلى منصة للترويج أكثر من كونه أداة لنقل الحقيقة.
“الخوف يحكم الفضاء الرقمي أكثر من أي وقت مضى“
إذا كانت الصحافة التقليدية تواجه قيودًا صارمة، فإن الفضاء الرقمي لم يعد الملاذ الذي كان يعتقد كثيرون أنه يوفر مساحة أوسع للنقاش والتعبير.
خلال السنوات الأخيرة توسعت الرقابة لتشمل المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح المستخدم العادي يدرك أن تعليقًا أو تغريدة أو إعادة نشر محتوى قد تتحول إلى قضية قانونية.
هذا المناخ أدى إلى انتشار غير مسبوق للرقابة الذاتية داخل المجتمع، حيث بات كثير من المستخدمين يتجنبون الخوض في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الحقوقية الحساسة خوفًا من التبعات المحتملة.
والأمر لا يقتصر على الصحفيين أو الناشطين، بل يمتد إلى الأكاديميين والكتاب والباحثين وحتى المواطنين العاديين الذين يناقشون قضايا المعيشة أو الخدمات أو السياسات العامة.
ومع اتساع الرقابة الرقمية، تراجعت مساحة النقاش العام بصورة ملحوظة، وأصبحت المنصات الإلكترونية تخضع لدرجة عالية من المتابعة والتنظيم، ما جعلها أقرب إلى امتداد للمجال الإعلامي الرسمي منها إلى ساحة حرة للنقاش.
هذا الواقع لا يؤثر فقط على حرية التعبير، بل ينعكس أيضًا على جودة المعلومات المتاحة للجمهور، إذ يصبح الوصول إلى آراء متعددة أو قراءات مختلفة أكثر صعوبة في بيئة تهيمن عليها رواية واحدة.
“الانفتاح الاقتصادي يصطدم بجدار الحريات“
تسعى السعودية منذ سنوات إلى تقديم نفسها بوصفها مركزًا عالميًا للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والرياضة والترفيه. وقد نجحت بالفعل في جذب العديد من الفعاليات والشركات والاستثمارات الدولية.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن الاقتصاد الحديث لا يعتمد فقط على البنية التحتية والمشاريع العملاقة، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة تسمح بحرية تداول المعلومات ووجود إعلام مستقل وقدر من الشفافية والمساءلة.
فالمستثمرون العالميون لا ينظرون فقط إلى حجم المشاريع أو أرقام النمو، بل يهتمون كذلك بمؤشرات الحوكمة والشفافية وسيادة القانون وحرية الوصول إلى المعلومات.
وعندما تستمر المملكة في التراجع داخل مؤشرات الحريات بينما تحاول في الوقت نفسه جذب الاستثمارات الأجنبية، فإنها تواجه معضلة حقيقية تتمثل في التناقض بين الصورة الاقتصادية التي ترغب في تصديرها وبين البيئة الإعلامية والسياسية التي لا تزال تخضع لقيود واسعة.
ولهذا فإن التراجع إلى المرتبة 176 لا يمثل مجرد مشكلة إعلامية، بل مؤشرًا أوسع على وجود تحديات بنيوية تتعلق بطبيعة المجال العام وحدود النقاش المسموح به داخل المملكة.
كما أن استمرار هذا الوضع يضعف من فعالية حملات العلاقات العامة المكلفة التي تهدف إلى تحسين صورة البلاد، لأن المؤشرات الدولية الموثقة تبقى أكثر تأثيرًا لدى المؤسسات والمراقبين من الحملات الدعائية المؤقتة.
“حين تصبح حرية الكلمة الاختبار الأصعب“
تكشف المرتبة 176 عالميًا أن أزمة الصحافة في السعودية لم تعد مرتبطة بأفراد أو مؤسسات بعينها، بل أصبحت جزءًا من طبيعة المشهد العام الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة. فالدول التي تسعى إلى لعب أدوار اقتصادية وسياسية عالمية تحتاج إلى بيئة إعلامية قادرة على العمل بحرية واستقلالية، لا إلى إعلام يخشى الاقتراب من الملفات الحساسة.
وقد يكون من الممكن بناء أبراج شاهقة، وتنظيم بطولات عالمية، وجذب مشاهير العالم، لكن بناء الثقة الدولية يتطلب أيضًا احترام الحريات الأساسية وفي مقدمتها حرية الصحافة والتعبير.
وفي النهاية، فإن وجود السعودية بين أسوأ خمس دول في العالم في حرية الصحافة لا يمثل مجرد ترتيب سلبي في تقرير دولي، بل رسالة واضحة بأن مشروع التحديث الذي يجري الترويج له ما زال يواجه أحد أكبر اختباراته: القدرة على التعايش مع الكلمة الحرة والنقد المستقل والمساءلة الحقيقية.
“الأبراج ترتفع لكن حرية الكلمة تهبط“
قد تستمر المملكة في تحقيق إنجازات اقتصادية وعمرانية كبيرة خلال السنوات المقبلة، وقد تنجح في استضافة مزيد من الفعاليات والمشاريع العالمية، لكن أي حديث عن التحول والتحديث سيبقى ناقصًا ما دامت حرية الصحافة تتراجع إلى هذا المستوى غير المسبوق. فالدول لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها أو عدد مشاريعها العملاقة، بل بقدرتها على حماية حق مواطنيها في التعبير والوصول إلى المعلومات ومحاسبة السلطة. وعندما تصبح حرية الصحافة واحدة من أسوأ النقاط في سجل دولة ما، فإن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة التحديث الذي يجري بناؤه، وحول الثمن الذي يُدفع مقابل صناعة صورة جديدة لا تزال عاجزة عن إخفاء واقع الحريات على الأرض






