لسنوات طويلة، كان مضيق هرمز يُنظر إليه باعتباره عنق الزجاجة الرئيسي لصادرات النفط الخليجية، لكن التطورات الأخيرة تكشف أن خريطة المخاطر تغيّرت. فمع توسع السعودية في الاعتماد على ميناء ينبع وخط الأنابيب الممتد إلى البحر الأحمر لتقليل الاعتماد على هرمز، برز باب المندب بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في معادلة تصدير النفط السعودي.
وتحذر تحليلات حديثة من أن نجاح المملكة في إيجاد مسار بديل لا يعني أنها تخلصت من المخاطر، بل ربما نقلتها إلى ممر بحري آخر لا يقل اضطرابًا. فوفقًا لرأي الكاتب خافيير بلاس في بلومبيرغ، يستطيع النفط السعودي الخروج إلى الأسواق العالمية، لكنه لن يكون “رخيصًا أو سهلًا”، لأن تجاوز هرمز لا يلغي الحاجة إلى المرور عبر باب المندب، حيث تتداخل التهديدات الأمنية مع الحسابات السياسية والعسكرية.
من هرمز إلى باب المندب انتقال مركز الخطر
خلال السنوات الماضية، استثمرت السعودية مليارات الدولارات في تطوير خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وكان الهدف واضحًا: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز الذي يُعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لكن ما حدث عمليًا هو انتقال جزء كبير من الصادرات إلى طريق جديد يمر عبر باب المندب قبل الوصول إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.
وبذلك، لم يختفِ الخطر، بل تغير موقعه الجغرافي.
7% من النفط العالمي تحت الضغط
بحسب تقديرات المجلس الأطلسي، فإن باب المندب أصبح اليوم ممرًا حيويًا يمر عبره أكثر من 7 ملايين برميل نفط يوميًا، وهو ما يعادل نحو 7% من الإمدادات النفطية العالمية.
أما السعودية وحدها، فتُصدّر نحو 4 ملايين برميل يوميًا عبر ميناء ينبع، بزيادة تقارب 400% مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة.
هذه الأرقام تعكس مدى اعتماد المملكة المتزايد على هذا المسار، لكنها تكشف أيضًا أن أي اضطراب في باب المندب ستكون له آثار تتجاوز السعودية لتطال أسواق الطاقة العالمية.
البديل موجود لكنه أكثر كلفة
يرى خافيير بلاس أن امتلاك السعودية طريقًا بديلًا لا يعني أن المشكلة قد حُلَّت.
فالحفاظ على تدفق النفط عبر البحر الأحمر يتطلب خطوط أنابيب إضافية، وعددًا أكبر من ناقلات النفط، وإدارة لوجستية أكثر تعقيدًا، فضلًا عن ترتيبات سياسية وأمنية مستمرة لضمان سلامة الملاحة.
بمعنى آخر، فإن تجاوز هرمز لا يحقق الأمان الكامل، بل يزيد من كلفة النقل والتأمين والتشغيل.
كما أن أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر قد يرفع تكاليف الشحن وأسعار التأمين، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار النفط العالمية.
تعهدات أمنية لكنها لا تلغي المخاطر
تشير المعلومات التي نُقلت عن وول ستريت جورنال إلى أن السعودية حصلت، في وقت سابق، على تعهدات من الحوثيين بعدم استهداف المملكة أو السفن المرتبطة بها أثناء عبورها باب المندب.
إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعكس اعتمادًا على تفاهمات غير معلنة لتقليل المخاطر.
لكن وجود مثل هذه التفاهمات، حتى لو كانت قائمة، لا يعني بالضرورة اختفاء المخاطر بالكامل، لأن أمن الملاحة في منطقة تشهد توترات مستمرة يبقى عرضة للتغير وفق تطورات المشهد الإقليمي.
ولهذا، فإن أي ترتيبات سياسية أو أمنية تظل مرتبطة بظروف متحركة، وليست ضمانًا دائمًا لاستقرار حركة التجارة.
النفط والسياسة معادلة لا تنفصل
ما تكشفه هذه التطورات هو أن أمن الطاقة لم يعد مسألة اقتصادية أو لوجستية فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالتوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.
فالاستثمارات الضخمة في خطوط الأنابيب والموانئ لا تستطيع وحدها حماية الصادرات إذا تعرضت الممرات البحرية للاضطراب.
ولهذا، تبدو الدبلوماسية الإقليمية، والتحالفات الأمنية، وخفض التوترات، عناصر لا تقل أهمية عن البنية التحتية النفطية نفسها.
هل انتهى عصر الاعتماد على هرمز؟
رغم الجهود السعودية لتنويع مسارات التصدير، يصعب القول إن الاعتماد على مضيق هرمز انتهى بالكامل.
فالجزء الأكبر من صادرات الخليج ما يزال يمر عبره، كما أن باب المندب لا يمثل بديلًا مستقلًا، بل حلقة أخرى في سلسلة النقل البحري العالمية.
وبالتالي، فإن أي استراتيجية طويلة الأجل لأمن الطاقة ستحتاج إلى حماية أكثر من ممر واحد، بدلًا من الاكتفاء بنقل الاعتماد من نقطة إلى أخرى.
التحدي الحقيقي ليس إيجاد طريق بل تأمينه
تُظهر هذه التطورات أن نجاح السعودية في إنشاء بدائل لوجستية لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر التي تواجه صادراتها النفطية.
فكل طريق جديد يحمل تحدياته الخاصة، سواء كانت أمنية أو سياسية أو اقتصادية.
وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد: هل تستطيع السعودية تجاوز هرمز؟
بل أصبح: هل تستطيع تأمين كل المسارات البديلة التي تعتمد عليها صادراتها في بيئة إقليمية شديدة التقلب؟
فإذا كان النفط السعودي قادرًا على الوصول إلى الأسواق العالمية، كما يرى خافيير بلاس، فإن الثمن لن يكون مجرد تكلفة نقل أعلى، بل أيضًا حاجة دائمة إلى موازنة معقدة بين الاستثمار في البنية التحتية، وإدارة المخاطر الأمنية، والحفاظ على الاستقرار السياسي في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.






