لم يعد الجدل حول الاتفاقية النووية الأمريكية–السعودية يدور حول عدد المفاعلات أو كمية الكهرباء التي ستنتجها، بل أصبح السؤال الحقيقي: هل بات البرنامج النووي السعودي رهينة لمطلب التطبيع مع إسرائيل؟
فخلال أيام قليلة فقط، تتابعت التصريحات والتسريبات القادمة من واشنطن وتل أبيب لتكشف أن الاتفاق الذي قُدِّم باعتباره شراكة استراتيجية في مجال الطاقة، أصبح يُستخدم كورقة ضغط سياسية لإعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. وما كان يُفترض أن يكون اتفاقًا تقنيًا بين دولتين، تحول إلى ملف تتدخل فيه الحكومة الإسرائيلية بصورة مباشرة، وتضع فيه مطالبها الأمنية والسياسية.
إسرائيل لا تريد إسقاط الاتفاق بل السيطرة عليه
تكشف دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) عن تحول لافت في التفكير الإسرائيلي.
فبدلًا من معارضة المشروع النووي السعودي، كما كان يحدث في السابق مع أي برنامج نووي عربي، أوصى المعهد الحكومة الإسرائيلية بعدم محاولة إفشاله، لأن البديل قد يكون توجه السعودية نحو الصين أو روسيا، وهو ما تعتبره إسرائيل أسوأ من التعاون مع الولايات المتحدة.
وبدلًا من ذلك، أوصت الدراسة بالتركيز على “تصميم الاتفاقية“، أي التأثير في تفاصيلها، وتعزيز الرقابة الأمريكية، وإخضاع جميع المكونات الحساسة للإشراف المباشر، مع المطالبة بانضمام السعودية إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
بعبارة أخرى، الرسالة الإسرائيلية واضحة: إذا كان البرنامج النووي السعودي قادمًا لا محالة، فليكن برنامجًا تتحكم واشنطن في مفاصله، وليس برنامجًا مستقلاً.
التطبيع يدخل من بوابة الطاقة
بالتوازي مع ذلك، نقلت تقارير أن مسؤولين إسرائيليين كثفوا اتصالاتهم مع إدارة ترامب لإقناعها بجعل التطبيع مع إسرائيل جزءًا من التفاهمات المرتبطة بالاتفاق النووي.
كما أشارت المصادر إلى أن بنيامين نتنياهو يعتبر التطبيع مع السعودية “الإنجاز الكبير التالي” الذي يسعى لتحقيقه قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ولم يعد الأمر مجرد تكهنات، بعدما صدرت تصريحات من مسؤولين أمريكيين تربط بصورة مباشرة بين تنفيذ الاتفاقية النووية وانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الاتفاقية قد وُقعت بين وزيري الطاقة، فلماذا تتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوض في ملف سياسي مختلف تمامًا؟
واشنطن تغير قواعد اللعبة
ما يثير الانتباه ليس فقط الموقف الإسرائيلي، بل أيضًا الرسائل الأمريكية المتباينة.
ففي البداية، جرى الإعلان عن الاتفاق بوصفه شراكة في مجال الطاقة النووية المدنية، دون الإشارة إلى أي شرط يتعلق بالتطبيع.
لكن بعد ذلك، بدأت تظهر تصريحات من الرئيس الأمريكي ومسؤولين في إدارته تؤكد أن التنفيذ الكامل للاتفاق مرتبط بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
هذا التباين يثير تساؤلات حول مدى استقرار الالتزامات الأمريكية، ويمنح الانطباع بأن الاتفاقات قد تصبح قابلة لإعادة التفسير أو إضافة شروط سياسية إليها بعد توقيعها.
السعودية بين الضغوط والبدائل
في المقابل، تدرك واشنطن وتل أبيب أن السعودية ليست بلا خيارات.
فإذا تعثر التعاون الأمريكي، يبقى الباب مفتوحًا نظريًا أمام التعاون مع الصين أو روسيا، اللتين تمتلكان خبرة واسعة في بناء المفاعلات النووية.
ولهذا، فإن إسرائيل نفسها لا تدعو إلى إسقاط الاتفاق، لأنها تخشى أن يؤدي ذلك إلى فقدان النفوذ الأمريكي بالكامل داخل البرنامج النووي السعودي.
ومن هنا تبدو المفارقة؛ فإسرائيل لا تعارض المشروع النووي السعودي من حيث المبدأ، لكنها تريد أن يكون مشروعًا أمريكي الإشراف، أمريكي التكنولوجيا، وأمريكي الضمانات.
نوبل… أم إعادة رسم المنطقة؟
تضيف التقارير بعدًا آخر للقضية، يتمثل في اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحقيق اختراق دبلوماسي كبير قد يعزز فرصه في الحصول على جائزة نوبل للسلام.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى التطبيع بين السعودية وإسرائيل باعتباره الإنجاز الأكثر تأثيرًا منذ توقيع اتفاقيات أبراهام.
وبذلك، لم تعد الاتفاقية النووية مجرد مشروع للطاقة، بل أصبحت جزءًا من مشروع سياسي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل خريطة العلاقات في الشرق الأوسط، بحيث تتحول التكنولوجيا النووية إلى حافز لتحقيق أهداف دبلوماسية تتجاوز بكثير قطاع الطاقة.
النووي لم يعد ملفًا تقنيًا
تكشف هذه التطورات أن النقاش لم يعد يدور حول المفاعلات أو الوقود النووي أو إنتاج الكهرباء.
فالملف أصبح يدور حول النفوذ، والتحالفات، والضمانات الأمنية، والتوازنات الإقليمية.
وكلما زادت الأطراف المتدخلة، ازداد تعقيد الاتفاق، وأصبح تنفيذه مرتبطًا باعتبارات سياسية أكثر من ارتباطه بالاحتياجات التقنية أو الاقتصادية.
اتفاقية الطاقة أم ورقة مساومة؟
إذا صحت هذه المعطيات، فإن الاتفاقية النووية الأمريكية–السعودية خرجت من إطارها الأصلي.
فبدلًا من أن تكون اتفاقًا بين دولتين لتطوير برنامج نووي مدني، أصبحت ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية، وتحولت التكنولوجيا النووية إلى أداة تفاوض لتحقيق أهداف سياسية لا ترتبط مباشرة بالطاقة.
وفي النهاية، قد تُبنى المفاعلات وقد لا تُبنى، لكن المؤكد أن الاتفاق كشف حقيقة مهمة: في الشرق الأوسط، لا يوجد مشروع استراتيجي كبير بمعزل عن السياسة. وحين يصبح تنفيذ اتفاق للطاقة مشروطًا بمواقف دبلوماسية، فإن الرسالة تتجاوز الملف النووي نفسه، لتؤكد أن التكنولوجيا، والتحالفات، والتطبيع، باتت جميعها أوراقًا على طاولة تفاوض واحدة، حيث تحاول كل قوة توظيفها لخدمة مصالحها قبل أي اعتبار آخر.






