البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
ثروة تحت الأرض وأزمة فوقها لماذا يصطدم حلم التعدين السعودي بعقبات لا تُحل بالأموال؟

ثروة تحت الأرض وأزمة فوقها لماذا يصطدم حلم التعدين السعودي بعقبات لا تُحل بالأموال؟

بعد سنوات من تقديم التعدين بوصفه “النفط الجديد” للاقتصاد السعودي، بدأت التقارير الاقتصادية المتخصصة تكشف أن الطريق نحو تحويل الثروات المعدنية إلى صناعة عالمية أكثر تعقيدًا بكثير مما توحي به التصريحات الرسمية. فالمملكة تمتلك احتياطيات معدنية تُقدَّر بنحو 2.5 تريليون دولار، وتُصنَّف جيولوجيًا ضمن أكثر المناطق الواعدة عالميًا، إلا أن امتلاك الثروة شيء، والقدرة على استخراجها وتحويلها إلى صناعة متكاملة شيء آخر تمامًا.

ويكشف تقرير Fast Company الشرق الأوسط أن أكبر تحدٍّ لم يعد اكتشاف المعادن، بل القدرة على تنفيذ المشاريع وبناء القطاع نفسه. فشركة معادن تخطط لمضاعفة إنتاج الذهب والفوسفات والألمنيوم خلال خمس سنوات، إلى جانب إنشاء مصنع للعناصر الأرضية النادرة بالشراكة مع جهات أمريكية، لكن هذه الطموحات تصطدم بجدار من التحديات البشرية واللوجستية والتقنية التي لا يمكن تجاوزها بمجرد إصدار التراخيص أو ضخ الأموال.

ثروة ضخمة لكن من سيستخرجها؟

من الناحية النظرية، تبدو الأرقام مبهرة.

احتياطيات معدنية بمليارات الأطنان، وتقديرات تصل إلى 2.5 تريليون دولار، وآلاف الرخص التعدينية السارية، وخطط لتحويل التعدين إلى الركيزة الثالثة للاقتصاد بعد النفط والبتروكيماويات.

لكن التقرير يسلط الضوء على مفارقة أساسية: الموارد الطبيعية لا تتحول تلقائيًا إلى صناعة منتجة.

فالتعدين ليس مجرد منح امتيازات أو فتح مناطق للاستثمار، بل يعتمد على منظومة كاملة من الجيولوجيين، ومهندسي المناجم، ومديري العمليات، وخبراء السلامة، وسلاسل التوريد، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية.

وهذه العناصر، بحسب التقرير، ما تزال تمثل الحلقة الأضعف في المشروع السعودي.

الاعتماد على الأجانب اعتراف ضمني بفجوة الكفاءات

ربما كان أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير تصريح حسن مرسي، الشريك والمدير العام في شركة AlixPartners، الذي أكد أن السعودية ستحتاج إلى الاعتماد على الخبرات الأجنبية طوال العقد المقبل، سواء في الوظائف الفنية أو حتى في العمالة التشغيلية.

هذا التصريح لا يعبّر عن نقص مؤقت، بل يكشف أن القطاع ما زال في مراحله التأسيسية، وأن بناء الكوادر الوطنية يحتاج إلى سنوات طويلة.

وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن بناء قطاع يُراد له أن يصبح أحد أعمدة الاقتصاد، بينما يعتمد في تشغيله وإدارته على خبرات مستوردة؟

فالاعتماد المستمر على الكفاءات الأجنبية يعني ارتفاع تكاليف التشغيل، واستمرار الحاجة إلى استقدام العمالة، وتأخر نقل المعرفة، إضافة إلى بقاء الخبرة الفنية خارج الإطار المحلي لفترة طويلة.

الرخص لا تصنع صناعة

تشير الأرقام إلى وجود أكثر من 3,000 رخصة تعدين سارية في المملكة.

لكن التقرير يلفت إلى حقيقة يغفلها كثير من الخطاب الرسمي: الرخصة ليست منجمًا، ولا مصنعًا، ولا فريقًا هندسيًا.

فمنح آلاف التراخيص لا يعني تلقائيًا وجود شركات قادرة على تطوير المناجم، أو كوادر تستطيع إدارتها، أو منظومة تعليمية تخرّج الأعداد المطلوبة من المتخصصين.

بمعنى آخر، يمكن إصدار آلاف الرخص خلال أشهر، لكن بناء قطاع تعدين متكامل يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الصخور.

المياه العقبة التي لا تتحدث عنها الخطط كثيرًا

من أكبر التحديات التي أشار إليها التقرير قضية المياه.

فالتعدين من أكثر الصناعات استهلاكًا للمياه، خصوصًا في عمليات المعالجة والاستخلاص.

ورغم أن السعودية تُعد من أكبر منتجي المياه المحلاة في العالم، فإن ذلك لا يعني توافر المياه بكلفة منخفضة أو بكميات غير محدودة.

بل على العكس، فإن الاعتماد على التحلية يضيف تكلفة تشغيلية مرتفعة لأي مشروع تعديني، ويزيد استهلاك الطاقة، ويخلق منافسة بين الاحتياجات الصناعية والاستخدامات البلدية والزراعية.

وهكذا، فإن امتلاك القدرة على تحلية المياه لا يلغي حقيقة أن التعدين في بيئة صحراوية يظل أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة مقارنة بدول تمتلك موارد مائية طبيعية.

حتى النحاس ما زال بعيدًا

يكشف التقرير أيضًا عن تعثر محاولات إنشاء مصهر للنحاس بطاقة 400 ألف طن، رغم تكرار المحاولات.

وهذه النقطة تعكس فجوة أخرى في المشروع.

فنجاح قطاع التعدين لا يعتمد على استخراج الخام فقط، بل على بناء الصناعات التحويلية التي تضيف القيمة قبل التصدير.

وعندما يتعثر إنشاء أحد أهم المصاهر الصناعية، فإن ذلك يعني أن المملكة ما زالت تواجه تحديات في الانتقال من استخراج الموارد إلى تصنيعها محليًا.

أين المستثمرون العالميون؟

رغم آلاف الرخص والحديث المتكرر عن الفرص الاستثمارية، يشير التقرير إلى أن هناك شركة أجنبية واحدة فقط تعمل حاليًا في قطاع التعدين السعودي.

وهذه المعلومة تثير تساؤلات مهمة.

فإذا كانت المملكة تمتلك بالفعل واحدة من أغنى المناطق المعدنية في العالم، فلماذا لم تتدفق الشركات العالمية بأعداد كبيرة؟

قد تكون هناك أسباب متعددة، من طبيعة البيئة التنظيمية، إلى تحديات التشغيل، أو ارتفاع الكلفة، أو نقص الكفاءات، أو صعوبة تأسيس المشاريع.

لكن النتيجة النهائية واحدة: الطموحات الاستثمارية ما تزال أكبر بكثير من حجم المشاركة الأجنبية الفعلية.

التعدين ليس النفط

يبدو أن أحد أكبر التحديات يتمثل في الاعتقاد بإمكانية تكرار تجربة النفط مع التعدين.

لكن الفارق بين القطاعين كبير.

فالنفط يعتمد على استخراج مادة واحدة ذات سوق عالمية مستقرة نسبيًا، بينما التعدين يشمل عشرات المعادن، ولكل منها دورة أسعار مختلفة، وتقنيات استخراج مختلفة، ومتطلبات تشغيل مختلفة.

كما أن نجاح قطاع التعدين يعتمد بدرجة أكبر على الصناعات اللاحقة، والبحث الجيولوجي المستمر، والقدرة على تطوير المناجم، وليس فقط على حجم الاحتياطيات.

ولهذا، فإن تحويل التعدين إلى محرك اقتصادي رئيسي يتطلب منظومة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد الإعلان عن اكتشافات جديدة.

بين الطموح والواقع

لا شك أن السعودية تمتلك إمكانات جيولوجية كبيرة قد تجعلها لاعبًا مهمًا في قطاع التعدين العالمي مستقبلًا.

لكن ما تكشفه الوقائع هو أن الثروة الطبيعية وحدها لا تكفي.

فالعنصر البشري يحتاج سنوات لبنائه، والبنية الصناعية ما تزال غير مكتملة، والمياه تمثل تحديًا هيكليًا، والمشروعات التحويلية الكبرى لم تحقق بعد الاختراق المطلوب، بينما يظل الاعتماد على الخبرات الأجنبية عنصرًا أساسيًا في تشغيل القطاع.

وفي النهاية، قد تكون الصخور المدفونة تحت الأرض تساوي تريليونات الدولارات، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في تقديرات الاحتياطيات، بل في القدرة على تحويلها إلى إنتاج مستدام. وحتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن أكبر عقبة أمام حلم التعدين السعودي ليست نقص المعادن، وإنما نقص المقومات التي تجعل هذه المعادن تتحول إلى صناعة وطنية قادرة على المنافسة عالميًا.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية