في واحدة من أكثر الشهادات إثارة للقلق، كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن اتصالات تلقّتها من سجناء إثيوبيين محكوم عليهم بالإعدام داخل السجون السعودية، بعدما تمكنوا من الوصول إلى رقم خدمة BBC Tigrinya عبر هاتف داخل السجن، في محاولة أخيرة لإيصال أصواتهم إلى العالم قبل تنفيذ الأحكام بحقهم.
وبحسب التحقيق، تحدثت بي بي سي مع سبعة سجناء من بين عشرات المحكوم عليهم بالإعدام، بينما تشير تقديرات إلى أن عدد الإثيوبيين المنتظرين تنفيذ الأحكام قد يصل إلى 200 سجين. ويطرح هذا التحقيق مجددًا أسئلة عميقة حول أوضاع السجون، وضمانات المحاكمة العادلة، ومدى التزام النظام القضائي السعودي بالمعايير الدولية في القضايا التي تنتهي بعقوبة الإعدام.
ارتفاع غير مسبوق في الإعدامات
تكشف الأرقام الواردة في التقرير عن تصاعد ملحوظ في تنفيذ أحكام الإعدام بحق المواطنين الإثيوبيين.
فخلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، أُعدم 17 إثيوبيًا، وهو أعلى عدد بين جميع الجنسيات غير السعودية، بينهم خمسة أشخاص أُعدموا في يوم واحد.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن هذا الرقم يمثل ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالسنوات السابقة، إذ لم يُعدم سوى شخصين إثيوبيين في عام 2023، بينما ارتفع العدد إلى 35 حالة في عام 2025.
ويربط التقرير هذا التصاعد بزيادة الهجرة غير النظامية من إقليم تيغراي الإثيوبي بعد الحرب الأهلية، إضافة إلى التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام على قضايا المخدرات.
شهادات تثير تساؤلات حول العدالة
أكثر ما يلفت الانتباه في التحقيق ليس عدد الإعدامات فحسب، بل طبيعة الروايات التي نقلها السجناء.
فبحسب إفاداتهم، واجه كثير منهم صعوبات كبيرة في الحصول على محامين، ولم يتمكنوا من الاطلاع على ملفات قضاياهم، كما أن خدمات الترجمة – عند توفرها – كانت غير كافية لفهم مجريات المحاكمة.
وروى أحد السجناء أنه أُجبر على توقيع وثيقة باللغة العربية تُثبت علمه بالحكم، رغم أنه لا يفهم مضمونها، وهي رواية قالت بي بي سي إنها تكررت على لسان أكثر من سجين.
ولا يمكن التحقق بشكل مستقل من هذه الادعاءات، لكنها تتقاطع مع تقارير سابقة صادرة عن منظمات حقوقية دولية دعت إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصًا في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام.
ظروف احتجاز صعبة
إلى جانب الإجراءات القضائية، يصف التحقيق أوضاع الاحتجاز بأنها شديدة القسوة.
فبحسب الشهادات، تضم بعض الزنازين نحو 200 سجين رغم أنها مصممة لاستيعاب 90 فقط، فيما ينام المحتجزون على الأرض ويستخدمون أكياس القمامة للتغطية ليلًا، ولا يُفتح باب الزنزانة إلا مرة واحدة يوميًا لإدخال الطعام.
وهذه الشهادات تعكس، إذا صحت، صورة مقلقة عن ظروف الاحتجاز، وتعيد النقاش حول معايير معاملة السجناء، لا سيما في القضايا التي تتعلق بعقوبات نهائية.
الموقف الرسمي السعودي
أفادت بي بي سي بأن وزارة الخارجية السعودية لم ترد على استفساراتها المتعلقة بما ورد في التحقيق.
في المقابل، تشير السلطات السعودية في بياناتها الرسمية المرافقة لقرارات الإعدام إلى أن الأحكام تصدر بعد استكمال جميع مراحل التقاضي، بما يشمل التحقيق، والمحاكمة، والاستئناف، ومراجعة المحكمة العليا، ثم صدور مرسوم ملكي بالتنفيذ.
كما تؤكد الحكومة السعودية أن تطبيق العقوبات يأتي في إطار مكافحة جرائم المخدرات وحماية المجتمع، وأن القضاء يعمل وفق الأنظمة المعمول بها في المملكة.
عقوبة الإعدام تحت المجهر الدولي
يعيد هذا التحقيق ملف عقوبة الإعدام في السعودية إلى دائرة الاهتمام الدولي.
ففي السنوات الأخيرة، دعت منظمات حقوقية عديدة إلى حصر استخدام العقوبة في أضيق الحدود، وضمان توفير محامين، وترجمة كافية، وإجراءات تقاضٍ تستوفي المعايير الدولية، خصوصًا في القضايا التي قد تؤدي إلى تنفيذ حكم لا يمكن التراجع عنه.
وفي المقابل، تؤكد السعودية أن قوانينها القضائية تستند إلى الشريعة الإسلامية والأنظمة الوطنية، وأن أحكام الإعدام لا تُنفذ إلا بعد استنفاد جميع درجات التقاضي.
بين الروايات والردود الرسمية
تكشف القضية عن فجوة واضحة بين ما يورده السجناء والمنظمات الحقوقية من جهة، وما تؤكده السلطات السعودية من جهة أخرى.
فبينما تتحدث الشهادات عن صعوبات في التمثيل القانوني، والترجمة، وظروف الاحتجاز، تؤكد البيانات الرسمية أن جميع الإجراءات القضائية قد استُكملت وفق القانون.
وفي ظل خطورة العقوبة، يبقى هذا التباين محل اهتمام ومتابعة من المؤسسات الحقوقية والإعلامية الدولية، ويعكس استمرار الجدل حول مدى توافق تطبيق عقوبة الإعدام مع معايير العدالة والإجراءات القانونية الواجبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمتهمين أجانب يواجهون حواجز اللغة والتمثيل القانوني.






