تضيف خطط التوسع السعودي في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تحديًا تمويليًا جديدًا إلى اقتصاد يخوض بالفعل سباقًا مكلفًا لتمويل مشروعات رؤية 2030. فبحسب سيمافور، تستهدف شركة «هيومين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة إنشاء أكثر من 6 غيغاواط من قدرات مراكز البيانات خلال العقد المقبل، لكن تنفيذ نصف هذه الخطط فقط قد يحتاج إلى ديون تصل إلى 32 مليار دولار.
والرقم الأكثر دلالة ليس حجم الدين وحده، بل ما خلص إليه تقرير شركة ألفاريز آند مارسال الاستشارية: البنوك السعودية لن تستطيع بمفردها جمع هذا الحجم من التمويل.
وهنا تتحول قصة الذكاء الاصطناعي من سباق تقني إلى سؤال مالي أكثر صعوبة: من سيمول الطموحات السعودية عندما تصبح قدرة النظام المصرفي المحلي أصغر من فاتورة المشروعات التي تريد الدولة تنفيذها؟
6 غيغاواط.. طموح يحتاج إلى مليارات قبل أن ينتج دولارًا
تبدو مراكز البيانات جذابة ضمن استراتيجية التنويع الاقتصادي. فالطلب العالمي على الحوسبة يتزايد مع انتشار الذكاء الاصطناعي، والسعودية تمتلك رأس المال والطاقة والأرض والطموح لبناء مركز إقليمي ضخم للبنية التحتية الرقمية.
لكن مراكز البيانات من أكثر المشروعات كثافة في رأس المال.
قبل بيع القدرة الحاسوبية للعملاء وتحقيق الإيرادات، يجب شراء الأراضي، وإنشاء المباني، وربطها بشبكات الكهرباء، وتأمين أنظمة التبريد، وشراء معدات مرتفعة الكلفة وبناء شبكات اتصالات ضخمة.
ولهذا يصبح الرقم الذي أورده التقرير بالغ الأهمية: تمويل نصف الخطط المستهدفة قد يتطلب 32 مليار دولار من الديون.
أي نحو 120 مليار ريال.
وكل ذلك لتمويل نصف الخطة، لا كاملها.
المشكلة: البنوك المحلية لا تكفي
هذه ربما تكون أخطر جملة في التقرير.
فالاحتياجات التمويلية المتوقعة تفوق قدرة البنوك السعودية على تلبيتها بمفردها.
وهذا يعني عمليًا أن المشروع الذي يُقدم باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد السعودي الجديد سيحتاج على الأرجح إلى فتح الباب بصورة أوسع أمام البنوك الدولية، وصناديق الائتمان، ومؤسسات التمويل الأجنبية وأسواق الدين العالمية.
وهنا تظهر مفارقة رؤية 2030 مجددًا.
فكلما أعلنت المملكة مشروعًا جديدًا لتنويع اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط، ظهرت معه حاجة جديدة إلى رأس المال والاقتراض والتمويل الخارجي.
التنويع الاقتصادي يفترض في النهاية إنتاج مصادر جديدة للدخل. لكن الطريق إليه أصبح نفسه يحتاج إلى جبل متزايد من التمويل.
ليست أزمة مشروع واحد
لو كانت «هيومين» وحدها التي تحتاج إلى عشرات المليارات، لكان من الممكن التعامل مع المسألة باعتبارها تحديًا قطاعيًا.
لكن مراكز البيانات تدخل سوق التمويل السعودية بينما هناك طابور طويل من المشروعات التي تريد المال نفسه.
هناك نيوم ومشروعاتها المختلفة، والقدية، والدرعية، ومشروعات السياحة والمطارات والنقل والطاقة والتعدين، والاستعدادات لكأس العالم 2034، إلى جانب احتياجات الشركات الحكومية وصندوق الاستثمارات العامة والحكومة نفسها.
وكل طرف يبحث عن تمويل.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: المنافسة على السيولة.
فالبنوك لا تمتلك خزائن غير محدودة، والمستثمر الدولي لا يقدم عشرات المليارات بلا مقابل، وكلما ارتفعت الاحتياجات التمويلية ازدادت أهمية تكلفة الدين وشروط المقرضين.
«أحد أكبر مصادر ديون المشاريع الجديدة»
التصريح الذي أدلى به كيرت ديفيس جونيور، معد تقرير ألفاريز آند مارسال، يلخص حجم التحول:
«البنية التحتية الرقمية أصبحت الآن من أكبر مصادر ديون المشاريع الجديدة في محفظتنا».
وهذا وصف ينبغي التوقف عنده.
فالذكاء الاصطناعي يُقدم للجمهور باعتباره صناعة المستقبل، لكن قبل الوصول إلى المستقبل هناك شيء أكثر تقليدية بكثير: الدَّين.
مراكز البيانات لا تُبنى بالشعارات عن الريادة التقنية، وإنما بمليارات الدولارات التي يجب أن يقرضها أحد، وبفوائد يجب دفعها، وتدفقات نقدية مستقبلية يفترض أن تكون كافية لخدمة تلك الالتزامات.
صندوق الاستثمارات يعود إلى المعادلة نفسها
شركة «هيومين» مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وهذا يضع المشروع ضمن شبكة واسعة للغاية من الرهانات التي يتحملها الصندوق.
الصندوق يستثمر في السياحة والعقارات والرياضة والألعاب والسيارات الكهربائية والطيران والتعدين والتكنولوجيا، وفي الوقت نفسه يقود مشروعات محلية ضخمة.
والآن يأتي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بفواتير رأسمالية جديدة.
المشكلة ليست أن الصندوق يستثمر في قطاعات مختلفة؛ التنويع أصلًا جزء من مهمته. المشكلة تظهر عندما تنمو احتياجات جميع هذه القطاعات في الوقت نفسه بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد المحلي على تمويلها.
عندها يصبح الاختيار ضرورة.
حين لا تكفي البنوك يأتي المقرض الأجنبي
إذا لم تستطع البنوك السعودية توفير التمويل المطلوب، فهناك حلول معروفة: التمويل الدولي، وإصدار السندات، والقروض المشتركة، والائتمان الخاص، وجلب شركاء أجانب.
لكن كل خيار يحمل ثمنًا.
المستثمر الأجنبي يريد عائدًا.
والبنك الدولي يريد ضمانات.
وحملة السندات يريدون فوائد.
وكلما ازدادت المخاطر أو ارتفعت أسعار الفائدة، ارتفعت تكلفة تحويل الطموح إلى بنية تحتية حقيقية.
وهكذا قد تجد السعودية نفسها في مفارقة لافتة: تستخدم الاقتراض الخارجي لبناء اقتصاد يفترض أن يصبح أكثر استقلالًا وتنوعًا في المستقبل.
هذا ليس خطأ اقتصاديًا في حد ذاته؛ دول وشركات كثيرة تمول مشروعات منتجة بالدين. لكن نجاح النموذج يعتمد بالكامل على أن تكون العوائد المستقبلية أعلى من تكلفة رأس المال.
السؤال الذي لا تجيب عنه أرقام الغيغاواط
يمكن الإعلان عن 1 غيغاواط أو 6 أو 10، لكن الرقم الحقيقي الذي سيحدد نجاح المشروع ليس القدرة الكهربائية المركبة.
إنه معدل الاستخدام.
من سيستخدم كل هذه المراكز؟
وكم سيدفع؟
وما مدة العقود؟
وهل تستطيع السعودية جذب شركات التكنولوجيا العالمية لاستخدام هذه القدرات بصورة مستمرة؟
وهل ستكون الأسعار وهوامش الربح كافية لتغطية تكلفة الإنشاء والكهرباء والتبريد والمعدات، وفوق ذلك خدمة مليارات الدولارات من الديون؟
إذا كانت الإجابة نعم، يمكن للدين أن يصبح أداة لبناء قطاع مربح.
أما إذا سبقت البنية التحتية الطلب الحقيقي بمسافة كبيرة، فقد تتحول الغيغاواطات المعلنة إلى أصول باهظة تحتاج إلى مزيد من التمويل للحفاظ عليها.
الذكاء الاصطناعي ليس شيكًا مضمونًا
هناك أيضًا خطر يتعلق بالاندفاع العالمي الحالي نحو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
الطلب ضخم بالفعل، لكن الصناعة تتحرك بسرعة استثنائية. الرقائق تتغير، وكفاءة النماذج تتطور، وتقنيات التبريد والطاقة تتبدل، والشركات العالمية تعيد حساب احتياجاتها بصورة مستمرة.
ولذلك فإن بناء عشرات المليارات من الدولارات من الأصول على افتراض أن الطلب سيواصل الصعود بالمعدلات نفسها يحمل مخاطرة لا ينبغي تجاهلها.
السعودية لا تدخل سوقًا ناضجة ومستقرة، وإنما تدخل واحدة من أسرع موجات الاستثمار وأكثرها تنافسًا في العالم.
رؤية 2030 أمام معضلة رأس المال
القضية الأوسع هنا لا تتعلق بـ«هيومين» وحدها.
فكل مشروع سعودي عملاق تقريبًا يصل في النهاية إلى السؤال نفسه: من سيدفع؟
في السنوات الأولى كان الجواب غالبًا هو الحكومة أو صندوق الاستثمارات العامة.
لكن مع اتساع قائمة المشروعات، لم يعد بالإمكان التعامل مع رأس المال باعتباره موردًا بلا سقف.
وإذا كان تمويل نصف خطة شركة واحدة في قطاع واحد يحتاج إلى 32 مليار دولار من الديون تفوق قدرة البنوك المحلية على توفيرها منفردة، فإن ذلك يعطي فكرة عن حجم الضغط الذي يمكن أن تخلقه رؤية كاملة تضم عشرات المشروعات العملاقة المتزامنة.
المستقبل الرقمي يبدأ بفاتورة حقيقية جدًا
لا يعني ذلك أن مشروع مراكز البيانات سيفشل. السعودية تمتلك مزايا يمكن أن تساعدها على بناء قطاع قوي، كما أن الطلب العالمي على الحوسبة والذكاء الاصطناعي يمثل فرصة اقتصادية حقيقية.
لكن تقرير سيمافور يكشف الجانب الذي تضيع تفاصيله عادة خلف الإعلانات الكبرى.
ستة غيغاواط ليست مجرد طموح تقني؛ إنها التزام مالي هائل.
و32 مليار دولار ليست رقمًا على عرض تقديمي؛ إنها ديون تحتاج إلى جهات تقرضها، وفوائد يجب دفعها، ومشروعات يجب أن تحقق تدفقات نقدية تكفي لسدادها.
والأكثر دلالة أن الحديث يتعلق بتمويل نصف الخطط فقط.
لذلك فإن الامتحان الحقيقي لـ«هيومين» لن يكون في إعلان أكبر مركز بيانات أو شراء أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي، وإنما في إثبات أن هذه البنية التحتية تستطيع أن تنتج من الأموال أكثر مما تستهلك.
فالسعودية تستطيع أن تشتري الخوادم، وتبني المراكز، وتجذب المقرضين الدوليين إذا قدمت لهم شروطًا مناسبة. لكن ما لا يمكن شراؤه مقدمًا هو العائد الاقتصادي المستدام.
وهنا يطل السؤال الذي أصبح يتكرر مع كل مشروع عملاق جديد: إذا كانت البنوك السعودية نفسها لا تستطيع تمويل الطموح، وبدأ الاقتصاد يحتاج إلى عشرات المليارات الإضافية من الخارج، فإلى أي حد تستطيع المملكة مواصلة إضافة مشاريع عملاقة إلى فاتورة رؤية 2030 قبل أن يصبح تمويل الطموحات نفسها أحد أكبر قيودها؟






