البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
بين سحق المؤسسة الدينية وفتح أبواب الترفيه.. «ذا سبيكتاتور» ترصد معادلة ابن سلمان الجديدة: انفتاح اجتماعي تحت سقف القمع السياسي

بين سحق المؤسسة الدينية وفتح أبواب الترفيه.. «ذا سبيكتاتور» ترصد معادلة ابن سلمان الجديدة: انفتاح اجتماعي تحت سقف القمع السياسي

لا يقدّم الكاتب البريطاني بول وود في مقالته المنشورة في مجلة ذا سبيكتاتور بعنوان «الموت الغريب للإسلاموية» صورة السعودية باعتبارها دولة شهدت مجرد إصلاحات اجتماعية تدريجية، بل يذهب إلى توصيف أكثر حدة: ولي العهد محمد بن سلمان، بحسب تعبير الكاتب، «سحق» المؤسسة الدينية الوهابية، وأضعف ما تبقى من أدواتها التقليدية، وفي الوقت نفسه قمع المعارضة السياسية، ثم فتح المجال أمام نمط اجتماعي وترفيهي كان من الصعب تخيل ظهوره علنًا في المملكة قبل سنوات قليلة.

المفارقة هنا أن التحول لم يكن، وفق هذه القراءة، انتقالًا من التشدد إلى فضاء سياسي أكثر انفتاحًا، بقدر ما كان إعادة توزيع للقوة داخل الدولة: تراجع نفوذ المؤسسة الدينية، لكن المساحة التي أخلتها لم تذهب إلى المجتمع المدني أو المعارضة أو المشاركة السياسية؛ بل ازدادت السلطة السياسية المركزية قوة.

وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في قراءة التجربة السعودية الجديدة: التحرر الاجتماعي لا يعني بالضرورة التحرر السياسي.

المؤسسة الدينية تفقد القوة لكن من حصل عليها؟

يستخدم وود كلمة شديدة الدلالة عندما يتحدث عن تعامل ابن سلمان مع المؤسسة الدينية: «سحقها».

والكلمة، وإن كانت توصيف الكاتب وليست مصطلحًا رسميًا، تعكس حجم التحول الذي حدث في العلاقة التاريخية بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية في المملكة.

فعلى مدى عقود، ارتبط النظام السعودي بتحالف تاريخي مع المؤسسة الدينية، التي امتلكت نفوذًا واسعًا في التعليم والمجتمع والحياة العامة، وكانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدة من أبرز مظاهر هذا النفوذ في الشارع.

لكن هذا المشهد تغير بصورة جذرية.

ويشير المقال إلى أن الهيئة كانت قد بدأت تفقد صلاحياتها قبل صعود ابن سلمان الكامل، ثم استمر تقليص دورها، فجُردت من سلطات مثل المطاردة والاعتقال، وتحولت وظيفتها إلى نطاق أضيق بكثير.

لكن السؤال ليس فقط: ماذا خسر رجال الدين؟

السؤال الأهم: من ورث سلطتهم؟

فلم تنشأ مقابل إضعاف المؤسسة الدينية مساحة سياسية تسمح بحرية أوسع للمعارضين أو النشطاء أو الأصوات المستقلة. وبحسب وود، تعرض المعارضون من اتجاهات مختلفة للقمع، سواء كانوا إسلاميين أو نشطاء مؤيدين للديمقراطية أو أصواتًا أخرى تنتقد السلطة.

وهكذا لم تنتقل السعودية، وفق هذه القراءة، من سلطة دينية محافظة إلى مجتمع سياسي تعددي، وإنما من معادلة تتقاسم فيها مؤسسات مختلفة مساحات من النفوذ إلى دولة أكثر مركزية في صناعة القرار.

السيارة للمرأة لكن ماذا عن صوتها السياسي؟

لا يمكن إنكار حجم بعض التغييرات الاجتماعية التي حدثت.

أصبح مسموحًا للنساء بقيادة السيارات، وفُتحت دور السينما، وتوسعت الفعاليات الرياضية والترفيهية، وأصبحت الحفلات الموسيقية جزءًا من المشهد العام.

وهذه تغييرات حقيقية وليست مجرد دعاية.

لكن التقييم السياسي لها يحتاج إلى سؤال مختلف: هل توسعت الحرية الاجتماعية بالتوازي مع حرية التعبير والمشاركة العامة؟

هنا تظهر المفارقة التي تجعل التجربة السعودية مختلفة عن الصورة التقليدية لـ«الانفتاح».

فيمكن أن تتوسع خيارات الفرد في الترفيه والاستهلاك، بينما تظل مساحة الاعتراض السياسي شديدة الضيق.

يمكن إقامة حفلة موسيقية ضخمة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مساحة مماثلة لانتقاد السياسات العامة.

ويمكن فتح السينما، دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى فتح المجال السياسي.

وهذا ما يجعل وصف ما يحدث بأنه «تحرير» كامل للمجتمع توصيفًا ناقصًا؛ فالأدق أنه تحرير انتقائي لبعض أنماط الحياة بالتزامن مع احتفاظ الدولة بسيطرة قوية على المجال السياسي.

من هيئة الأمر بالمعروف إلى موسم الرياض

التغير البصري في المدن السعودية ربما يكون أكثر ما يجسد التحول.

المكان الذي ارتبط لعقود بصورة اجتماعية شديدة المحافظة أصبح يستضيف حفلات غنائية ومباريات ملاكمة ومهرجانات وفعاليات عالمية.

والتحول حدث بسرعة استثنائية.

لكن سرعة التغيير نفسها تطرح سؤالًا عن طبيعة القرار: هل جاء نتيجة نقاش اجتماعي طويل وتطور مؤسساتي، أم نتيجة قرار سياسي من أعلى أعاد رسم حدود المسموح والممنوع؟

المفارقة أن الدولة التي كانت تمنح المؤسسة الدينية مساحة واسعة لتنظيم الحياة الاجتماعية أصبحت هي نفسها المحرك الأكبر للترفيه الجديد.

أي أن السلطة لم تنسحب من الحياة الاجتماعية بقدر ما غيّرت الاتجاه الذي تدفع المجتمع نحوه.

في السابق كان التدخل يميل إلى المحافظة والتقييد؛ واليوم تستخدم الدولة أدواتها لتوسيع قطاع الترفيه وجذب الفعاليات العالمية.

وفي الحالتين تبقى قدرة السلطة المركزية على تحديد إيقاع التغيير شديدة الحضور.

الكحول أحد أكثر رموز التحول حساسية

يتوقف مقال ذا سبيكتاتور أيضًا عند ملف بالغ الحساسية في السعودية، وهو المشروبات الكحولية.

ويقول الكاتب إن أجانب أثرياء من غير المسلمين أصبح بإمكانهم الحصول عليها في الرياض.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر من الدقة: القواعد السعودية المتعلقة بالكحول شهدت ترتيبات محدودة ومقيدة لفئات بعينها، ولذلك لا يصح اختزال الأمر في القول إن بيع الكحول أصبح متاحًا بصورة عامة للأجانب.

الأهم من التفاصيل التنظيمية نفسها هو الرمزية السياسية والاجتماعية للموضوع.

فمجرد انتقال النقاش من سؤال «هل يمكن السماح بالكحول أصلًا؟» إلى سؤال «لمن يسمح بها وتحت أي شروط؟» يعكس المسافة الهائلة التي قطعتها السياسات الاجتماعية خلال سنوات قليلة.

قمع المحافظ والليبرالي معًا

لكن الجزء الأكثر قسوة في قراءة وود ليس متعلقًا بالحفلات أو السينما أو قيادة المرأة.

إنه متعلق بالمعارضة.

فالكاتب يشدد على أن الحملة لم تستهدف تيارًا أيديولوجيًا واحدًا، بل طالت أصواتًا من اتجاهات مختلفة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم طبيعة النظام الجديد.

فإذا كان الهدف مجرد مواجهة التشدد الديني، لكان من المنطقي أن تحصل الأصوات المدنية والإصلاحية على مساحة أوسع.

أما إذا تعرض الإسلامي والليبرالي والناشط المستقل للضغط عندما يتجاوز الحدود السياسية المرسومة، فإن المسألة لا تعود صراعًا بين «التحديث» و«التشدد»، وإنما تصبح مرتبطة أساسًا بمن يمتلك الحق في تحدي السلطة.

وهكذا تظهر معادلة مختلفة: تستطيع أن تكون أكثر تحررًا اجتماعيًا مما كان مسموحًا قبل عشر سنوات، لكن ذلك لا يعني أنك أصبحت أكثر حرية في مساءلة الحكومة.

الحرمين.. الخط الأحمر الذي يعرفه ابن سلمان

ثم يصل وود إلى التناقض الأكثر حساسية.

فآل سعود ما زالوا يحملون لقب خادم الحرمين الشريفين، وتظل مكة والمدينة عنصرًا محوريًا في مكانة المملكة داخل العالم الإسلامي.

ولهذا يرى الكاتب أن ابن سلمان يدرك أن لتحولاته حدودًا.

فيمكن تقليص نفوذ المؤسسة الدينية داخل جهاز الدولة، ويمكن إعادة تشكيل هيئة الأمر بالمعروف، ويمكن إدخال السينما والحفلات والملاكمة وتطوير صناعة سياحية وترفيهية هائلة.

لكن السعودية لا تستطيع ببساطة التعامل مع هويتها الدينية باعتبارها إرثًا انتهى دوره.

الحرمين ليسا مجرد موقعين دينيين داخل حدود المملكة؛ إنهما مصدر استثنائي للقوة الرمزية السعودية في العالم الإسلامي.

وهنا تجد السلطة نفسها أمام معادلة دقيقة: تقليص نفوذ رجال الدين دون تقويض الشرعية الدينية للدولة نفسها.

ليس فصلًا للدين عن الدولة

لهذا سيكون من الخطأ وصف التحولات بأنها مشروع علماني مكتمل أو فصل للدين عن الدولة.

ما حدث أقرب إلى إخضاع المجال الديني بصورة أكبر للسلطة السياسية وإعادة تحديد حدوده.

فالدولة لم تتخل عن شرعيتها الإسلامية، ولم تتوقف عن الاستثمار في مكانتها باعتبارها حاضنة الحرمين، لكنها قلّصت قدرة المؤسسات والشخصيات الدينية على امتلاك نفوذ سياسي أو اجتماعي مستقل ينافس القرار المركزي.

وهذه نقطة فارقة.

فالفرق كبير بين دولة تقلص حضور الدين في شرعيتها، ودولة تحتفظ بهذه الشرعية لكنها تعيد احتكار تفسير حدود المجال العام.

انفتاح يسمح بالترفيه ولا يضمن المعارضة

وهنا تظهر خلاصة المشهد الذي يرسمه مقال ذا سبيكتاتور.

السعودية الجديدة ليست السعودية التي كانت عليها قبل عقد.

لكنها أيضًا ليست بالضرورة نموذجًا ليبراليًا بالمعنى السياسي.

إنها دولة تستطيع فيها المرأة قيادة السيارة، ويستطيع المواطن حضور حفلات موسيقية ومشاهدة الملاكمة والسينما، وتستطيع الحكومة استضافة بعض أكبر فعاليات الترفيه والرياضة في العالم.

وفي الوقت نفسه، تستمر الانتقادات الحقوقية الدولية المتعلقة بحرية التعبير ومعاملة المعارضين واستخدام عقوبة الإعدام.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد: هل تغيرت السعودية؟

الإجابة واضحة: نعم، تغيرت بصورة هائلة.

السؤال الأكثر أهمية هو: أي نوع من التغيير حدث؟

معادلة ابن سلمان: مجتمع مختلف وسلطة أشد مركزية

ربما يكون هذا هو الجانب الذي تختصره مقالة بول وود بأوضح صورة.

ابن سلمان لم يحتج إلى المؤسسة الدينية القديمة بالقوة نفسها التي احتاج إليها أسلافه، ولذلك استطاع تقليص نفوذها بصورة غير مسبوقة.

لكنه لم يستبدلها بمؤسسات سياسية مستقلة أو مجال عام مفتوح.

وبذلك نشأت معادلة سعودية جديدة: مجتمع أكثر انفتاحًا في بعض تفاصيل حياته اليومية، واقتصاد وترفيه أكثر اتصالًا بالعالم، مقابل نظام سياسي شديد المركزية لا يسمح بأن يتحول الانفتاح الاجتماعي إلى تحدٍ للسلطة.

وهذا تحديدًا ما يجعل التحول أكثر تعقيدًا من روايتي الحكومة ومعارضيها معًا.

فمن الخطأ إنكار التغييرات الاجتماعية الحقيقية التي حدثت، لكن من الخطأ كذلك استخدام الحفلات والسينما وقيادة النساء للسيارات باعتبارها دليلًا كافيًا على اتساع مفهوم الحرية نفسه.

فقد تقل سلطة رجل الدين، دون أن تزيد سلطة المواطن.

وقد تختفي شرطة دينية من الشارع، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الدولة نفسها أصبحت أقل قدرة على فرض خطوطها الحمراء.

وقد تصبح الرياض مدينة للحفلات والملاكمة والفعاليات العالمية، بينما يبقى النقاش السياسي محكومًا بقواعد مختلفة تمامًا.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق التي يثيرها المقال: محمد بن سلمان لم يُنهِ نموذج السيطرة بقدر ما أعاد تصميمه.

لقد أزاح المؤسسة الدينية من أجزاء واسعة من المجال العام، وسمح بتحولات اجتماعية كانت تبدو مستحيلة، لكنه في الوقت نفسه رسخ مركزية القرار السياسي.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لهذا المشروع لن يكون في عدد الحفلات أو دور السينما أو السياح، بل في سؤال أبسط وأصعب: هل يستطيع المجتمع الذي مُنح حرية أكبر في اختيار كيف يعيش، أن يحصل يومًا على مساحة أكبر في اختيار كيف يُحكم؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية