البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
من الملاعب إلى المسارح كيف تحولت الرياضة والترفيه إلى مشروع تصدير للصورة السعودية؟

من الملاعب إلى المسارح كيف تحولت الرياضة والترفيه إلى مشروع تصدير للصورة السعودية؟

بينما تعلن الحكومة السعودية عن مراجعة أولويات الإنفاق في ظل الضغوط المالية وتزايد الحاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية، يبدو أن قطاع الترفيه والفعاليات الرياضية ما يزال يحتفظ بمكانة استثنائية داخل استراتيجية الدولة. فإطلاق شركة “راديا” (RADIA)، بالشراكة بين شركة SURJ التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، وشركتي Live Nation وOak View Group الأمريكيتين، يكشف أن الرياض لا تنظر إلى الرياضة والموسيقى باعتبارهما مجرد نشاطين ترفيهيين، بل كأداتين لإعادة تقديم المملكة إلى العالم استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2034.

فالهدف المعلن للمشروع لا يقتصر على إدارة الملاعب أو تنظيم الحفلات، وإنما إنشاء منظومة متكاملة لتسويق الفعاليات السعودية لجمهور عالمي، في خطوة تعكس انتقال المملكة من استضافة الأحداث إلى محاولة تصدير نموذجها الترفيهي خارج حدودها.

الترفيه أولوية رغم إعادة ترتيب الإنفاق

خلال الأشهر الماضية، ظهرت تقارير متعددة تشير إلى أن صندوق الاستثمارات العامة بدأ يراجع أولوياته المالية، مع توجيه موارد أكبر نحو مشاريع البنية التحتية مثل الموانئ، ومراكز البيانات، وشبكات الخدمات، وهي قطاعات تُعد ضرورية لدعم النمو الاقتصادي.

لكن اللافت أن هذا التوجه لم يأتِ على حساب قطاع الترفيه.

فإطلاق شركة جديدة متخصصة في إدارة وتسويق الفعاليات، بالتزامن مع استمرار تنفيذ مشاريع ثقافية ورياضية بمليارات الدولارات، يؤكد أن هذا القطاع ما يزال يحتل موقعًا متقدمًا في رؤية الدولة، حتى في ظل الضغوط المتعلقة بالتمويل.

ويشير ذلك إلى أن الرياض ترى في الترفيه استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل، وليس بندًا يمكن الاستغناء عنه عند إعادة ترتيب الأولويات.

من تنظيم الفعاليات إلى تصديرها

تختلف “راديا” عن كثير من المبادرات السابقة.

فالهدف لا يقتصر على تشغيل الملاعب أو تنظيم الحفلات داخل المملكة، بل إنشاء منصة قادرة على تسويق الفعاليات السعودية لجمهور دولي، والاستفادة من خبرة شركات أمريكية تمتلك حضورًا عالميًا في إدارة الحفلات والمهرجانات والمنشآت الرياضية.

وهذا يعكس رغبة في تحويل السعودية إلى مركز إقليمي وربما عالمي لصناعة الترفيه، بحيث تصبح المملكة منتجًا للفعاليات، لا مجرد مستضيف لها.

لكن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة هذه الفعاليات على جذب جمهور دولي بصورة مستدامة، وليس فقط على ضخ الاستثمارات أو بناء المنشآت.

مشاريع بمليارات الدولارات

تتزامن الشركة الجديدة مع استمرار العمل على عدد من المشاريع الضخمة، من بينها:

  • دار أوبرا ملكية بتكلفة 1.4 مليار دولار.
  • مدرج يتسع لعشرين ألف متفرج في الدرعية، ضمن مشروع إعادة تطوير المنطقة الذي تُقدَّر كلفته بنحو 63 مليار دولار.
  • حلبة جديدة لسباقات الفورمولا 1، إلى جانب مناطق ترفيهية متكاملة خارج الرياض.

وتعكس هذه المشاريع توجهًا واضحًا نحو بناء بنية تحتية ترفيهية قادرة على استضافة فعاليات عالمية بصورة مستمرة، وليس فقط خلال المناسبات الكبرى مثل كأس العالم.

غير أن ضخامة هذه الاستثمارات تثير أيضًا تساؤلات حول العائد الاقتصادي المتوقع، ومدى قدرة السوق على تحقيق إيرادات تغطي تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل.

مونديال 2034 أكثر من بطولة كرة قدم

من الواضح أن الاستعداد لكأس العالم 2034 لا يقتصر على بناء الملاعب.

فالرهان السعودي يتمثل في تحويل البطولة إلى منصة لإعادة تشكيل صورة المملكة عالميًا، عبر ربط الرياضة بالموسيقى والثقافة والترفيه والسياحة.

ولهذا تبدو “راديا” جزءًا من استراتيجية أشمل تهدف إلى إدارة التجربة الكاملة للزائر، وليس المباراة فقط.

لكن هذا الطموح يأتي في وقت تواجه فيه البطولة نفسها تحديات تنظيمية، من بينها النقاشات حول موعد إقامتها بسبب تداخلها مع شهر رمضان وموسم الحج، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى مشروع الاستضافة.

الاعتماد على الخبرة الأجنبية

من اللافت أيضًا أن المشروع الجديد يقوم على شراكة مع شركتين أمريكيتين تمتلكان خبرة طويلة في إدارة المنشآت والفعاليات.

وهذا يعكس استمرار اعتماد المملكة على الشركاء الدوليين في تشغيل وإدارة قطاعات حديثة النشأة محليًا.

وقد يساهم هذا التعاون في نقل الخبرات وتطوير الكفاءات، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول المدة التي ستظل فيها هذه القطاعات معتمدة على الإدارة الأجنبية قبل أن تتمكن من بناء خبراتها المحلية بصورة كاملة.

الترفيه كأداة للقوة الناعمة

خلال السنوات الأخيرة، تحولت الرياضة والترفيه إلى ركيزة أساسية في سياسة القوة الناعمة السعودية.

فاستضافة البطولات العالمية، وجذب الفنانين، وتنظيم الحفلات، وإنشاء المسارح ودور الأوبرا، كلها خطوات تهدف إلى تقديم صورة جديدة عن المملكة أمام الجمهور الدولي.

ويرى مؤيدو هذا النهج أنه يساهم في تنويع الاقتصاد وجذب السياحة والاستثمار.

في المقابل، يرى منتقدون أن نجاح القوة الناعمة لا يعتمد على حجم الإنفاق وحده، بل يحتاج أيضًا إلى تراكم ثقافي وفني ورياضي طويل الأمد يصعب تحقيقه عبر المشاريع السريعة فقط.

بين الاستثمار والصورة

لا شك أن بناء صناعة ترفيهية متطورة يمكن أن يفتح فرصًا اقتصادية جديدة، ويخلق وظائف، ويزيد من النشاط السياحي.

لكن استمرار الإنفاق الضخم في هذا القطاع، بالتزامن مع مراجعة الإنفاق في قطاعات أخرى، يجعل من الطبيعي أن تتزايد الأسئلة حول كيفية تحقيق التوازن بين تحسين البنية التحتية الأساسية، والاستثمار في المشروعات التي تستهدف تعزيز الصورة الدولية للمملكة.

وفي النهاية، تبدو شركة “راديا” أكثر من مجرد شركة لإدارة الفعاليات؛ فهي تعكس رؤية تعتبر الرياضة والموسيقى والثقافة أدوات استراتيجية لتوسيع الحضور السعودي عالميًا. ويبقى نجاح هذه الرؤية مرتبطًا بقدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عائد اقتصادي وثقافي مستدام، لا أن تظل مرتبطة فقط بزخم الأحداث الكبرى مثل كأس العالم 2034.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية