البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
7% فقط من الكهرباء فلماذا تدفع السعودية ثمن التحالف النووي مع واشنطن؟

7% فقط من الكهرباء فلماذا تدفع السعودية ثمن التحالف النووي مع واشنطن؟

بينما جرى الترويج للاتفاق النووي المرتقب بين السعودية والولايات المتحدة باعتباره خطوة تاريخية نحو تنويع مصادر الطاقة، تكشف التفاصيل أن المكسب الحقيقي لا يتعلق بإنتاج الكهرباء بقدر ما يتعلق بإعادة رسم التحالفات السياسية والاقتصادية للمملكة. فوفقًا لما أوردته أرغوس ميديا، فإن المحطات النووية المخطط لها لن توفر سوى نحو 7% من احتياجات السعودية الكهربائية بالحجم المعلن، وهو رقم يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كانت مساهمة المشروع في شبكة الكهرباء محدودة، فلماذا يحظى بكل هذا الزخم السياسي والاستراتيجي؟

الإجابة تكشف أن الاتفاق يتجاوز الطاقة إلى السياسة والجغرافيا الاقتصادية. فهو لا يفتح الباب أمام التكنولوجيا النووية الأمريكية فحسب، بل يعيد تثبيت السعودية داخل المظلة الاستراتيجية لواشنطن، ويغلق في الوقت نفسه الباب أمام المنافسين، وعلى رأسهم روسيا والصين.

اتفاق للطاقة أم اتفاق للنفوذ؟

وقّعت الرياض وواشنطن ما يُعرف بـ”اتفاقية 123″، وهي الإطار القانوني الذي يسمح بنقل التكنولوجيا النووية الأمريكية إلى الدول الشريكة بعد موافقة الكونغرس.

ورغم أن الاتفاق يُقدَّم بوصفه مشروعًا للطاقة، فإن آثاره السياسية تبدو أكبر من آثاره الكهربائية.

فاختيار التكنولوجيا الأمريكية لا يعني شراء مفاعلات فقط، بل يعني الارتباط لعقود بمنظومة أمريكية تشمل الوقود النووي، والتدريب، والصيانة، والرقابة، والتحديثات التقنية، والالتزامات التنظيمية.

وبذلك، يصبح البرنامج النووي جزءًا من شبكة الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، وليس مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء.

7% فقط أين الثورة الموعودة؟

الرقم الذي أورده التقرير يحمل دلالة مهمة.

فإذا كانت جميع المحطات المخطط لها لن تنتج سوى 7% من الكهرباء السعودية، فإن الحديث عن “ثورة في قطاع الطاقة” يبدو مبالغًا فيه.

فالدول عادة تلجأ إلى الطاقة النووية عندما تحتاج إلى مصدر رئيسي ومستقر للكهرباء، أو عندما ترغب في تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري بصورة كبيرة.

أما في الحالة السعودية، فإن مساهمة بهذا الحجم تعني أن معظم شبكة الكهرباء ستظل تعتمد على الغاز والنفط ومصادر أخرى، بينما سيبقى الدور النووي محدودًا نسبيًا.

وهذا يوضح أن المشروع لم يُبنَ أساسًا لتغطية الطلب المحلي على الكهرباء، وإنما لتحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية أخرى.

النفط هو المستفيد الأول

بحسب التقرير، يتمثل الهدف الاقتصادي الأبرز في تقليل حرق النفط الخام داخل المملكة لإنتاج الكهرباء، وتوجيه كميات أكبر منه إلى التصدير عبر أرامكو.

بمعنى آخر، فإن كل برميل لا يُستهلك في محطات الكهرباء يمكن بيعه في الأسواق العالمية وتحقيق إيرادات إضافية.

ومن هذه الزاوية، لا يصبح المشروع النووي مشروعًا كهربائيًا بقدر ما يتحول إلى أداة لزيادة العائدات النفطية.

كما يرتبط ذلك بمشروع جافورة للغاز غير التقليدي، الذي يُفترض أن يحل تدريجيًا محل النفط في توليد الكهرباء، لتصبح المنظومة بأكملها موجهة نحو هدف واحد: تحرير أكبر كمية ممكنة من النفط للتصدير.

لكن هذا يثير سؤالًا آخر: إذا كان الهدف الأساسي هو زيادة صادرات النفط، فلماذا يُقدَّم المشروع للرأي العام بوصفه خطوة نحو التحول في قطاع الطاقة، وليس باعتباره وسيلة لتعظيم الإيرادات النفطية؟

البرنامج النووي يرسم خريطة التحالفات

من أبرز ما كشفه التقرير أن اختيار الإطار الأمريكي أغلق عمليًا الباب أمام شركتين كانتا من أبرز المنافسين في هذا المجال: روساتوم الروسية وCNNC الصينية.

وهذا يعني أن القرار لم يكن اقتصاديًا فقط، بل حمل بعدًا جيوسياسيًا واضحًا.

فالبرنامج النووي من أكثر القطاعات حساسية، لأنه يخلق شراكات تمتد لعشرات السنين.

ومن يزوّد المفاعلات بالتكنولوجيا والوقود والخبرة، يكتسب نفوذًا طويل الأمد داخل الدولة المستوردة.

ولهذا، فإن اختيار واشنطن يعني عمليًا ترسيخ الشراكة الاستراتيجية معها، وتقليص فرص موسكو وبكين في دخول أحد أهم القطاعات المستقبلية في السعودية.

الاعتماد لا ينتهي عند توقيع الاتفاق

بعكس محطات الطاقة التقليدية، لا ينتهي المشروع النووي عند مرحلة البناء.

فالمفاعلات تحتاج إلى وقود نووي، وصيانة دورية، وتحديثات تقنية، وإجراءات سلامة، ورقابة مستمرة، وتدريب متخصص.

وهذا يجعل العلاقة مع المورد علاقة طويلة الأمد قد تمتد إلى خمسين أو ستين عامًا.

وبالتالي، فإن السعودية لا تشتري مفاعلات فقط، بل تدخل في منظومة اعتماد تقنية وسياسية ممتدة، تجعل من الصعب تغيير الشريك أو الاستغناء عنه في المستقبل.

الكلفة والجدوى

المشروعات النووية تُعد من أكثر مشاريع الطاقة كلفة وتعقيدًا.

وغالبًا ما تواجه تأخيرات في التنفيذ وارتفاعًا في التكاليف مقارنة بالتقديرات الأولية.

وفي ظل الضغوط المالية التي تواجهها السعودية، والتوسع في الاقتراض، واستمرار الإنفاق على المشاريع العملاقة، يصبح من المشروع التساؤل حول كيفية تحقيق التوازن بين هذه الالتزامات الضخمة.

كما أن نجاح المشروع لن يُقاس فقط بإنتاج الكهرباء، بل بقدرته على تحقيق العوائد الاقتصادية المعلنة دون أن يتحول إلى عبء مالي طويل الأمد.

بين الطاقة والسياسة

لا شك أن دخول السعودية المجال النووي المدني يمثل تحولًا مهمًا في سياسة الطاقة.

لكن ما تكشفه المعطيات هو أن الأبعاد السياسية والاستراتيجية للاتفاق تبدو أكثر وضوحًا من أثره المباشر على إنتاج الكهرباء.

فحين لا تتجاوز مساهمة المشروع 7% من احتياجات الشبكة، يصبح من الصعب اعتباره مشروعًا كهربائيًا بالدرجة الأولى.

بل يبدو أقرب إلى أداة لإعادة توجيه استهلاك النفط، وتعزيز صادرات أرامكو، وترسيخ التحالف مع الولايات المتحدة، وإبعاد المنافسين الدوليين عن واحد من أكثر القطاعات حساسية.

اتفاق نووي لكن المكسب الحقيقي خارج شبكة الكهرباء

في النهاية، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: كم كهرباء ستنتجها المفاعلات؟

بل: ماذا ستنتج سياسيًا واقتصاديًا؟

فالبرنامج النووي السعودي، وفق المعطيات الحالية، لا يغيّر جذريًا مزيج الكهرباء في المملكة، لكنه يعيد رسم خريطة الشراكات الاستراتيجية، ويمنح واشنطن موطئ قدم طويل الأمد في قطاع حيوي، بينما يوفر للرياض فرصة لزيادة صادراتها النفطية.

وهكذا، قد تكون نسبة 7% كافية لفهم حقيقة المشروع؛ فالمفاعلات ليست الهدف النهائي، بل وسيلة ضمن استراتيجية أوسع تجمع بين الطاقة والنفط والتحالفات الدولية، حيث تبدو السياسة هي المستفيد الأكبر، بينما يبقى أثر الكهرباء محدودًا مقارنة بحجم الرهانات التي يحملها الاتفاق.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية