في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة السعودية أن القطاع المالي يشهد نموًا متسارعًا وأن الإصلاحات الاقتصادية تسير وفق المخطط، تكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة لافتة؛ فبدل أن تتولى البنوك السعودية، التي حققت أرباحًا قياسية خلال السنوات الماضية، تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، بدأت شركات استثمار أجنبية تدخل لملء هذا الفراغ، في مؤشر يثير تساؤلات حول واقع السيولة داخل النظام المصرفي السعودي.
فبحسب ما كشفه موقع Semafor، أبرمت شركة Gemcorp أول صفقة إقراض مباشر لها في السعودية بقيمة 20 مليون دولار لصالح مجموعة SILQ لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لتسجل بذلك دخولها الرسمي إلى السوق السعودية.
وقد لا تبدو قيمة الصفقة كبيرة مقارنة بحجم الاقتصاد السعودي، إلا أن دلالتها تتجاوز الرقم نفسه؛ إذ إن Gemcorp ليست مؤسسة مصرفية تقليدية، بل شركة استثمار متخصصة في ضخ الأموال في الأسواق التي تتردد البنوك التقليدية في تمويلها، وقد سبق لها استثمار أكثر من 9 مليارات دولار في اقتصادات عالية المخاطر مثل أنغولا والكونغو وفنزويلا.
رسالة لا تخطئها الأسواق
حين تبدأ شركة اشتهرت بالعمل في الأسواق الناشئة عالية المخاطر بتمويل شركات سعودية، فإن السؤال لا يتعلق بالشركة الأجنبية بقدر ما يتعلق بالقطاع المصرفي المحلي.
فالسعودية تمتلك أحد أكبر الأنظمة البنكية في المنطقة، كما أن مصارفها أعلنت خلال السنوات الأخيرة أرباحًا ضخمة، ومع ذلك أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى تمويل مباشر من مؤسسة أجنبية.
وهذا يعكس واقعًا بدأ يظهر في أكثر من تقرير اقتصادي خلال الأشهر الماضية، يتمثل في تزايد الضغوط على السيولة داخل البنوك المحلية، نتيجة الحجم الهائل للمشروعات الحكومية، وارتفاع الطلب على التمويل، وزيادة الاقتراض الحكومي.
أين ذهبت السيولة؟
خلال السنوات الأخيرة، تحولت البنوك السعودية إلى أحد أهم ممولي المشاريع العملاقة المرتبطة برؤية 2030، سواء بصورة مباشرة أو عبر الاكتتابات والسندات والقروض المشتركة.
وفي المقابل، وجد القطاع الخاص، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، نفسه ينافس الدولة على التمويل داخل السوق نفسها.
ومع ارتفاع الطلب الحكومي على الأموال، أصبح الحصول على الائتمان أكثر صعوبة بالنسبة لقطاعات إنتاجية يفترض أنها تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى إلى التنويع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فالرؤية التي أعلنت أنها تريد تمكين القطاع الخاص، دفعت عمليًا إلى زيادة اعتماده على ممولين أجانب بسبب انشغال البنوك المحلية بتمويل المشروعات الحكومية.
اقتصاد يعتمد على الخارج في تمويل الداخل
يُفترض أن الاقتصادات القوية تبني دورة تمويل داخلية، بحيث تتحول المدخرات المحلية إلى استثمارات محلية عبر القطاع المصرفي.
لكن دخول شركات أجنبية لسد فجوة تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة يطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبح الاقتصاد السعودي بحاجة إلى رأس مال خارجي حتى لتمويل قطاعه المحلي؟
فإذا كانت المؤسسات الأجنبية تجد فرصة للقيام بدور يفترض أن تقوم به البنوك الوطنية، فإن ذلك يعكس اختلالًا في توزيع الموارد المالية أكثر مما يعكس نجاحًا في جذب الاستثمارات.
ثمن المشاريع العملاقة
يصعب فصل هذا التطور عن التوسع غير المسبوق في الإنفاق على المشاريع الضخمة خلال السنوات الماضية.
فالمليارات التي وُجهت إلى نيوم، والقدية، والمشروعات السياحية، والاستثمارات الرياضية، تطلبت تمويلًا ضخمًا، سواء عبر صندوق الاستثمارات العامة أو عبر البنوك المحلية أو أسواق الدين.
ومع استمرار هذه المشروعات في استهلاك السيولة، بدأت تظهر آثار جانبية على بقية الاقتصاد، حيث أصبح تمويل الشركات الصغيرة أكثر صعوبة، رغم أنها تمثل المصدر الأكبر لخلق الوظائف والنشاط الاقتصادي المستدام.
المفارقة الاقتصادية
لطالما أكدت رؤية 2030 أن تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل أحد أهم أهدافها، وأن رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي يعد أولوية وطنية.
لكن الواقع يكشف أن هذا القطاع أصبح يحتاج إلى شركات استثمار أجنبية للحصول على التمويل، بينما تتجه الموارد المحلية نحو مشاريع ضخمة لا تزال كثير منها في طور الإنشاء أو إعادة التقييم.
وهذا يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ترتيب الأولويات الاقتصادية: هل أصبحت المشاريع العملاقة تستحوذ على التمويل على حساب الاقتصاد الحقيقي الذي يقوم على الشركات المنتجة ورواد الأعمال؟
إشارة لا ينبغي تجاهلها
قد تكون صفقة بقيمة 20 مليون دولار صغيرة من الناحية المالية، لكنها تحمل رسالة أكبر بكثير من حجمها.
فهي تكشف أن السوق السعودية بدأت تجذب نوعًا جديدًا من المستثمرين، ليس بسبب وفرة الفرص فحسب، بل أيضًا بسبب وجود فجوات تمويلية لم تعد البنوك المحلية قادرة أو راغبة في سدها.
وعندما تصبح الشركات الأجنبية ممولًا بديلًا للقطاع الخاص المحلي، فإن ذلك يعكس تحولًا في طبيعة الاقتصاد، ويشير إلى أن الضغوط المالية لم تعد تقتصر على الحكومة، بل بدأت تمتد إلى النظام المالي نفسه.
وفي النهاية، فإن نجاح أي مشروع اقتصادي لا يُقاس بعدد المدن الجديدة أو حجم الإنفاق الحكومي، بل بقدرته على توفير بيئة تمويل مستقرة للشركات المنتجة. أما عندما تصبح شركة استثمار أجنبية، اعتادت العمل في أسواق مرتفعة المخاطر، هي من يموّل الشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة، بينما تعاني البنوك المحلية من شح السيولة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات صعبة حول مدى توازن النموذج الاقتصادي الحالي، وحول ما إذا كانت الأولويات المالية تسير فعلًا في الاتجاه الذي يخدم الاقتصاد المنتج، أم أنها باتت أسيرة لمشاريع تستنزف الموارد قبل أن تحقق عوائدها.






